الجزائر والفاتيكان: عندما يتحوّل السلام إلى مشروع حضاري
- 14 apr
- Tempo di lettura: 2 min

✍️ طلال خريس – رئيس جمعية الصداقة الإيطالية العربية
في عالم تتكاثر فيه خطوط التماس وتتصاعد فيه النزاعات ذات الطابع الديني والسياسي، تأتي زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر كحدث يتجاوز الإطار البروتوكولي، ليحمل في طياته رسالة عميقة تتعلق بمستقبل العلاقة بين الأديان، وبإمكانية تحويل الحوار إلى ركيزة للاستقرار العالمي.هذه الزيارة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية دينية، بل ينبغي فهمها كخطوة واعية من الفاتيكان لإعادة تموضع دوره في عالم متعدد الأقطاب، حيث لم تعد أوروبا وحدها مركز التأثير، بل بات الجنوب، وخاصة إفريقيا، مسرحًا رئيسيًا لصياغة التوازنات الجديدة.اختيار الجزائر كنقطة انطلاق يحمل دلالات عميقة. فهي دولة عربية إفريقية ذات ثقل تاريخي وسياسي، عُرفت بمواقفها المستقلة، وبقدرتها على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية. كما أنها تمثل نموذجًا فريدًا لدولة مسلمة تستقبل رأس الكنيسة الكاثوليكية، في مشهد يختصر إمكانية التلاقي بين حضارتين طالما صُوّرت علاقتهما في إطار الصدام.

من هنا، تبرز الأهمية الرمزية للزيارة، حيث لم يكن شعار “السلام عليكم” مجرد تحية، بل إعلانًا عن رغبة حقيقية في بناء لغة مشتركة، تتجاوز الاختلافات العقائدية نحو فضاء إنساني أوسع، قائم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر.ولعل التوقف في مدينة عنابة، واستحضار إرث القديس أوغسطينوس، يضيف بعدًا حضاريًا بالغ الأهمية، إذ يعيد التذكير بأن شمال إفريقيا لم يكن يومًا خارج السياق التاريخي للفكر الإنساني، بل كان أحد روافده الأساسية. هذه العودة إلى الجذور ليست مجرد استحضار للماضي، بل محاولة لبناء مستقبل مشترك انطلاقًا من تاريخ متداخل.أما على المستوى الدولي، فإن الزيارة تحمل رسالة واضحة: السلام لا يمكن أن يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالحوار. وفي ظل التوترات المتصاعدة في أكثر من منطقة، يطرح الفاتيكان نموذجًا مختلفًا، يعتمد على القوة الناعمة، وعلى إعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية كعنصر أساسي في إدارة الصراعات.إفريقيا، في هذا السياق، ليست مجرد محطة، بل شريك أساسي في هذا المسار. فهي القارة التي تختزن طاقات بشرية وروحية هائلة، والتي يمكن أن تشكّل نموذجًا عالميًا للتعايش، إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة.إن زيارة البابا إلى الجزائر ليست حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية تفتح الباب أمام قراءة جديدة للعلاقات بين العالمين العربي والأوروبي، وبين الإسلام والمسيحية. إنها دعوة صريحة لإعادة التفكير في مفاهيم الصراع، واستبدالها بثقافة اللقاء.في المحصلة، نحن أمام رسالة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، رسالة تؤكد أن المستقبل لن يُبنى إلا على أسس الحوار، وأن السلام الحقيقي يبدأ حين نمتلك الشجاعة للاعتراف بالآخر، لا الخوف منه.




Commenti