الموسيقى العربية في جذور الهوية الأوروبية… من العود إلى القيثارة
- 25 mag
- Tempo di lettura: 2 min

وائل المولى – كاتب وصحافي
مع حلول ذكرى وفاة كبير الملحنين العرب والمصريين سيد مكاوي الذي رحل في شهر مايو، تتجدد الأسئلة حول امتداد أثر الموسيقى العربية خارج حدودها الجغرافية، وكيف تسللت أنغام الشرق إلى البنية العميقة للموسيقى الأوروبية، لا سيما في إيطاليا وجنوبها.
لم تكن الموسيقى الأوروبية، كما نعرفها اليوم، نتاجًا مغلقًا داخل حدود القارة، بل هي حصيلة تفاعل طويل مع حضارات البحر المتوسط، وفي مقدمتها الحضارة العربية الإسلامية التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل جزء مهم من الذاكرة الموسيقية الأوروبية، خصوصًا في إيطاليا وجنوبها.منذ العصور الوسطى، كانت صقلية والأندلس نقطتين أساسيتين للتبادل الثقافي بين الشرق والغرب. في تلك المرحلة، لم تكن الموسيقى مجرد فن ترفيهي، بل كانت لغة حضارية تنتقل مع التجارة والعلوم والفلسفة. وقد تسربت إلى جنوب أوروبا عناصر موسيقية عربية، أبرزها البناء المقامي، والإيقاع المتكرر، والأسلوب الغنائي القائم على السرد العاطفي.أحد أهم الجسور الموسيقية كان العود، الذي انتقل عبر الأندلس وصقلية ليؤسس لاحقًا لظهور آلة اللوت الأوروبية، ومنها تطورت أدوات وترية أخرى مثل القيثارة الحديثة. هذا التحول لم يكن مجرد نقل آلة، بل نقل فلسفة صوتية كاملة، تقوم على التنغيم والتعبير العاطفي بدل الإيقاع الصارم فقط.في جنوب إيطاليا، ما زالت بعض الأنماط الموسيقية الشعبية مثل التارانتلا تعكس هذا التداخل التاريخي، من خلال الإيقاعات الدائرية، والتكرار النغمي، والأداء الجماعي الذي يقترب في روحه من الإنشاد الشرقي. هذا لا يعني أن الموسيقى الإيطالية عربية الأصل، لكنها تحمل طبقات تاريخية من التأثير المتبادل الذي تراكم عبر قرون.في العصر الحديث، أصبح هذا التفاعل موضوع دراسة أكاديمية في أوروبا، حيث تُدرّس الموسيقى العربية بوصفها جزءًا من التراث المتوسطي المشترك، لا كظاهرة خارجية. ورغم أن تأثير فنانين مثل سيد مكاوي لم يكن مباشرًا في البنية الموسيقية الإيطالية، فإن أعماله تمثل استمرارًا حيًا لروح موسيقية عربية أثرت في الوجدان الإنساني الأوسع، وأعادت صياغة الذاكرة الشعبية المصرية في قالب فني خالد.الخلاصة أن العلاقة بين الموسيقى العربية والأوروبية ليست علاقة تأثير أحادي، بل علاقة تشابك تاريخي طويل، جعل من البحر المتوسط فضاءً موسيقيًا مشتركًا، تتداخل فيه الأصوات كما تتداخل الحضارات.




Commenti