حين تكشف إيسيكيا عن تداخل السياحة والذاكرة الأيديولوجية
- 19 apr
- Tempo di lettura: 2 min

✍️ طلال خريس
في قلب جزيرة إيسكيا، تلك اللؤلؤة المتوسطية الهادئة في خليج نابولي، يبدو المشهد للوهلة الأولى بعيدًا عن أي توتر سياسي أو إرث أيديولوجي. شواطئ خلابة، ينابيع حرارية، وحياة يومية تسير بإيقاع هادئ. لكن خلف هذا الهدوء، تختبئ حكاية مختلفة، تعكس جانبًا من التاريخ السياسي الأوروبي الذي لم ينطفئ تمامًا.في بلدة فوريو، إحدى أبرز مناطق الجزيرة، لا يزال مقر الحزب الشيوعي الإيطالي الماركسي اللينيني قائمًا، شاهدًا على استمرار تيار فكري يعود بجذوره إلى قرن مضى. حزب صغير من حيث التأثير، لكنه غني بالرمزية، يحتفظ بأرشيف فكري وتاريخي يعكس مرحلة كاملة من الصراع الأيديولوجي في أوروبا.اليوم، يصادف ذكرى المناضل الشيوعي الكبير دومينيكو سافيو، الذي خاض نضالات كبيرة ضد استغلال العمال والفلاحين. والآن يقود الحزب ابنه جنارو سافيو، مستمرًا في نهج والده. أهل الجزيرة يذكرون دومينيكو سافيو بكل احترام وفخر، وتظل ذكراه حاضرة في الحياة الفكرية والثقافية للمنطقة.على الجزيرة، يمكن للزائر أن يجد رموز الحقبة الشيوعية، ويقابل العديد من المفكرين، ويطلع على كتب نادرة تعكس الفكر الاشتراكي والماركسية، كما يتميز أهل المنطقة بخصائص رائعة، تجمع بين الفكر والطيبة والكرم وروح الحوار.إن فهم هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الأوسع. فمنذ الثورة الروسية عام 1917، شهدت أوروبا، وخصوصًا إيطاليا، صعودًا لافتًا للأفكار الشيوعية، تُوّج بتأسيس الحزب الشيوعي الإيطالي عام 1921، والذي تحول لاحقًا إلى أحد أعمدة الحياة السياسية في البلاد.في الجنوب الإيطالي، حيث التفاوت الاجتماعي كان أكثر وضوحًا، وجدت هذه الأفكار أرضًا خصبة. ولم تكن جزيرة إيسكيا بعيدة عن هذا التأثير، إذ تأثرت شرائح من سكانها، خاصة العمال وصغار المزارعين، بخطاب العدالة الاجتماعية والمساواة. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط الفاشية، تعزز الحضور اليساري في المشهد المحلي، سواء عبر النقابات أو النشاطات السياسية.
ورغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم مع نهاية الحرب الباردة وتراجع الأحزاب الشيوعية التقليدية، بقيت بعض الجيوب المحلية تحتفظ بهذا الإرث، ليس كقوة سياسية فاعلة بقدر ما هو تعبير عن ذاكرة جماعية وهوية فكرية.اليوم، يمثل وجود هذا الحزب في فوريو حالة فريدة تجمع بين التاريخ والسياسة والثقافة. فهو من جهة كيان سياسي محدود التأثير، ومن جهة أخرى مساحة حية لذاكرة أيديولوجية، تضم كتبًا نادرة ومقتنيات تعود إلى بدايات القرن العشرين، وأعمالًا لرموز مثل كارل ماركس وفلاديمير لينين وجوزيف ستالين.إن هذه المفارقة بين الطابع السياحي للجزيرة ووجود هذا الحضور الأيديولوجي، تعكس عمق التجربة الأوروبية، حيث لا تختفي الأفكار تمامًا، بل تتحول، وتستمر بأشكال مختلفة، حتى في أكثر الأماكن هدوءًا.من هنا، يمكن القول إن جزيرة إيسكيا ليست مجرد وجهة سياحية، بل مساحة تختزن في طياتها طبقات من التاريخ السياسي والفكري، تذكّرنا بأن أوروبا، رغم كل تحوّلاتها، لا تزال تحمل آثار صراعاتها الكبرى، حتى في تفاصيلها الصغيرة.




Commenti