top of page

ذكري مخرج الحكايات التونسي الناصر خمير

  • 2 apr
  • Tempo di lettura: 3 min

متابعة الحبيب بنصالح تونس


من مواليد هذا اليوم 1 أفريل سنة : 1948 - الناصر خمير، رسّام، كاتب سيناريو ومخرج تونسي.

- الناصر خمير (78 سنة) ولد بقربة، وتربّى منذ طفولته على الحكاية وثقافتها الخارجة من "ألف ليلة وليلة"، ليهيم بعدها بالتصوّف الذي كان مادّةً لأفلامه التي أثارت انتباه النّقاد إليه. تعلّم كيف يسرد الحكاية وكيف يطوّرها من خياله الخاص بطريقة ساحرة جعلت المخرج الفرنسي "أنطوان فيتز" يدعوه سنة 1982 ليروي قصص "ألف ليلة وليلة" على خشبة مسرح "شايلو" الوطني، حيث كان يحكي أمام النظارة المشدودين إليه طوال ساعة ونصف من ذاكرته وخياله. أخرج أول فيلم في تونس سنة 1975 بعنوان "حكاية في بلاد ملك ربي" (L'histoire du pays du bon Dieu) وهو يروي قصة شاب شعر أن الله تخلى عنه..! فذهب يبحث عن حدود بلده ليغادره غير أنه لم يعثر عليها... ثم أخرج بعده بعام فيلم "الغولة" عن مجموعة خرافات في قريته..وفي ثمانينات القرن الماضي، أخرج ناصر خمير فيلم "الهائمون" الذي ظهر عام 1984، وهو لوحة تشكيلية فائقة الجمال والتناسق والحرفيّة في الرغبة بالطلوع خارج قيد المكان، بحثا عن ماضٍ مفقود.. و"الهائمون" يحكي عن قرية صغيرة معزولة في الصحراء غادرها رجالها فلم يعودوا وضاعت آثارهم، بل تحوّلوا إلى أشباح هائمة في الصحراء تمرّ مرّة في العام بالقرية لتأخذ معها من بقي فيها. وفيلم "الهائمون" مبني كله على الخيال ومصنوع كأسطورة يراد من ورائها طرح تأملات فلسفية حول الإنسان والحياة والقدر. حصل الفيلم على تقدير عالمي وجوائز كثيرة (جائزة أفضل مخرج في قرطاج سنة 1984، والجائزة الذهبية في مهرجان فالنسيا باسبانيا عام 1985).



 مضى الناصر خمير خطوات أبعد باتجاه الفانتازيا في فيلمه الثاني "طوق الحمامة المفقود" سنة 1990 الذي تضمّن شخصيات خيالية تُجسّد تراث وأساطير الماضي. وقد لجأ المخرج في هذا الفيلم إلى تصوير مشاهد أسطورية، تستند إلى التصميم الفني والجماليات البصرية والتشكيلات الغرائبية المبهرة.. ولكن بدون اللجوء إلى الخدع والمؤثرات البصرية التي تحتاج إلى تقنيات معقّدة. الفيلم يطرح نموذجاً للمعادلة الصعبة التي يقول الكثيرون من المبدعين بأنها مستحيلة، فهو يطرح قضية في غاية الجرأة، وهي (ماهية الحب) منطلقاً من سطور في كتاب "طوق الحمامة" للفقيه الأندلسي الشهير "ابن حزم "، وهو - أي الفيلم - يضعك وسط أزقة الأندلس، ويدخل بك مساجدها دون أن ينفق جهداً كبيراً في تحديد العصر أو المدينة التي تجري بها الأحداث. تألّق الناصر خمير في استخدام أدواته الفنية، ومعارفه المتنوعة من العمارة والفلسفة والفن التشكيلي ليرسم لنا الصور مشهداً مشهداً، ويضع المعاني متوالية تنفذ إلى العقل والقلب، وهو يناقش مسألة الحب من منظور هذا العصر المجيد حين كانت المساجد هي مجالس العلم الذي يشمل كل معارف الدين و الدنيا… فنجد أنفسنا داخل درس للشيخ الذي يشرح الأسماء المختلفة للحب، ومعانيها ولا يكتفي الفيلم بذلك، بل يتضمن نقداً سياسياً لاذعاً للاستبداد والفوضى في الصراع بين الطغاة والمستضعفين الذي يتكرّر عبر مراحل التاريخ.




من أفلامه أيضا «بابا عزيز، الأمير السابح في روحه» (سنة 2005). وتَشِي عناوين أفلام الناصر خمير ومضامينها، بانشغال عميق وهاجس مستمر بإبراز أبعاد وأدوار حضارية سابقة لإنسان المنطقة العربية وتبيان حصة أو دور حضارة الإسلام والمسلمين كنصوص وتجليات عملية في بعض الحِقب، في رسم صورة مشرقة، والمشاركة في تقديم انجازات حضارية انسانية تخالف جوانب من الصورة الحالية الموصومة بعلل كثيرة.وشريطه الأخير هذا، يتناول من خلال مجموعة متداخلة من القصص والحكايات بأسلوب ألف "ليلة وليلة" قصة تنشأ من داخل قصة أخرى حتى يشكّل النص السردي فكرة الماضي وعلاقته بالحاضر، كما يناقش مغزى الوجود من خلال الدين بالمعنى الفلسفي الروحي الصوفي. من آخر أفلامه : "البحث عن الشيخ محي الدين" سنة 2012 و"ياسمينة وأسماء الحب الستون" سنة 2013 و"من أين نبدأ ؟" سنة 2015. و"همس الرمال" سنة 2018؛ وشريط "ولاّدة" سنة 2020 حول الاميرة الاندلسية والحقبة التي عاشت فيها، وشريط حول "ألف ليلة وليلة" مع الأستاذ جمال الدين بن الشيخ المختص في هذا المؤلف، وأيضا فيلم حول اللغة العربية مع الاستاذ "أندري ميكال" وفيلم آخر حول الرسام "بول كلي"..وفي ميدان الرسم قام الناصر خمير بعديد المعارض والمشاريع بدأت بمعرض شخصي سنة 1973 بمدينة تونس .ثم قام في سنة 1974 برسم عديد اللوحات لإعادة إصدار ديوان الشاعر الألماني الكبير Rainer Maria Rilke" بعنوان "Le champs de l’amour et de la mort"، كما قام برسم لوحات ضخمة سنة 1975 في مدينة طبرقة مع مجموعة من الأطفال. وتبعت هذه المعارض عديد المعارض الأخرى أذكر منها معرض حول "ألف ليلة وليلة" في مركز جورج بومبيدو الشهير في باريس سنة 1980، ومعرض "60 اسم للحب" سنة 1992 والذي تجول في عديد المدن الأوروبية. وإلى جانب الرسم والفنون التشكيلية، خاض ناصر خمير تجربة الكتابة الروائية وأصدر عديد الروايات والكتب أذكر منها "Le conte des conteurs" سنة 1984 عن دار "La découverte" في باريس و"Chahrazed" عن دار "Mascaret" سنة 1987 في فرنسا و"Paroles d'Islam" وغيرها... تمّ تكريم المبدع الناصر خمير في العديد من التظاهرات العالمية، آخرها في 31 ديسمبر 2023، حيث منحته تركيا جائزة "نجيب فاضل للثقافة للفنون والثقافة" لسنة 2023 في صنفها الدولي وهي الجائزة الدولية الوحيدة المخصّصة لغير الأتراك. حتى لا ننسى، فقد شكّلت تجربة الناصر خمير مسارًا فنيًا متفرّدًا، راهن على الفن كأداة للتعبير العميق عن الذات، وسعى عبر استكشاف الروح إلى استشراف آفاق جديدة للحضارة العربية الإسلامية، وهو ما يفسّر صدى أعماله الواسع عالميًا.

أسامة الراعي

Commenti


bottom of page