top of page

سورية من ركام الانقسام … إلى مشروع الوطن الواحد

  • 28 apr
  • Tempo di lettura: 2 min

✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي


بعد كل ما شهدته سوريا منذ استقلالها من انقلابات وحروب وتمزقات، لم يعد ممكنًا الاستمرار في الدوران داخل الحلقة ذاتها؛ حلقة الثأر وإعادة إنتاج الألم وتوريث الكراهية. إن الخروج من هذا النفق لا يبدأ بقرار سياسي فقط، بل بتحول عميق في الوعي الجمعي، من عقلية الانتقام إلى عقلية التسامح، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.لقد ساهمت خرائط التقسيم التي فُرضت على المنطقة، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو، في تفكيك البنية الاجتماعية وتحويل التنوع إلى مصدر صراع بدل أن يكون مصدر غنى. لم يكن التقسيم مجرد خطوط على الورق، بل تأسيسًا لحالة طويلة من عدم الاستقرار، تتقاطع فيها المصالح الداخلية مع رهانات الخارج.في هذا الواقع، تبدو الأطراف ذات المصالح المتقاطعة أكثر قدرة على التنسيق فيما بينها، بينما تتباين جهود القوى الساعية إلى الاستقرار بسبب غياب مشروع جامع يوحّد الطاقات ويوجهها نحو هدف مشترك. لذلك، فإن المواجهة الحقيقية ليست فقط مع مظاهر الانقسام، بل مع جذورها الفكرية والثقافية التي تعمّق الانقسام.إن التحدي الأكبر اليوم يكمن في إعادة بناء مفهوم “الوطن” بوصفه مساحة مشتركة تتسع للجميع، لا ساحة صراع مفتوحة.

وهذا يتطلب تعزيز ثقافة الانتماء الوطني وترسيخ قيم التسامح والتعايش، ليس كشعارات، بل كممارسات في التعليم والإعلام والسياسات العامة. فالوطن لا يُبنى بالخوف، بل بالثقة، ولا يُحمى بالجدران، بل بالعدالة.ومن هذا المنطلق، يمكن تحويل حالة الانقسام من عبء إلى فرصة، عبر توجيه الطاقات نحو البناء الاقتصادي والإنتاج، بدل استنزافها في النزاعات. فالمجتمعات التي أنهكتها الحروب قادرة على النهوض عندما تختار العمل المشترك وتكامل الموارد.غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق دون بناء دولة القانون، التي يشعر فيها المواطن بأن حقوقه مصونة وكرامته محفوظة، بعيدًا عن الانتماءات الضيقة. دولة يكون فيها الأمن الاجتماعي، القائم على العدالة والتكافل، أقوى من أي قوة مفروضة.إن المشروع الوطني الحقيقي لا يُقاس بقدرته على السيطرة، بل بقدرته على الاحتواء، ولا يُبنى على الغلبة، بل على التوازن. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن المصالحة قادرة على فتح الطريق نحو المستقبل، حين تتقدم على الانتقام.في النهاية، ليس السلام خيارًا مثاليًا، بل ضرورة وجودية. فإما أن نكون شركاء في وطن واحد، أو نبقى أسرى لصراعات لا تنتهي. الطريق صعب، لكنه يبدأ بالإيمان بأننا نستحق أن نعيش معًا.

Commenti


bottom of page