لبنان بين الكارثة وخطاب الإنتصار
- 20 apr
- Tempo di lettura: 3 min
Aggiornamento: 21 apr

✍️ طلال خريس
في كل مرة تنتهي فيها واحدة من الحروب الكثيرة التي أنهكت لبنان، وحولته من سويسرا الشرق إلى مصاف الدول الفقيرة والمتأخرة مع تكرار للمشهد ذاته: دمار واسع، خسائر بشرية فادحة، ونزوح يطال مئات الآلاف… يقابله خطاب مرتفع يعلن “الانتصار”. كأن ما يجري على الأرض شيء، وما يُقال للناس شيء آخر تمامًا.بوصفي صحافيًا، لا أسعى إلى الانحياز، لكن لا يمكنني تجاهل هذه المفارقة الصارخة التي تحولت إلى نمط سياسي وإعلامي ثابت فالقوى التي تخوض الحرب لا تستطيع الاعتراف بالخسارة، فتستبدلها بسردية “الصمود”، التي تُترجم سريعًا إلى “نصر”. وهكذا، يُعاد تشكيل الواقع بما يخدم الخطاب، لا بما يعكس الحقيقة.غير أن تحميل المسؤولية لا يمكن أن يكون أحاديًا. فإسرائيل، بما تملكه من تفوق عسكري، تتحمّل قسطًا كبيرًا من المسؤولية عن قتل المدنيين العزل وحجم الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والقرى والبيئة المدنية، واستخدامها القوة المفرطة التي وسّعت رقعة الكارثة الإنسانية .غير أن الأسئلة الجوهرية تبقى معلّقة: من يقرر الحرب؟ وهل القرار لبناني ، أم يأتي ضمن حسابات إقليمية تُستخدم فيها البلاد كساحة صراع؟ هذا السؤال يمسّ جوهر السيادة وحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم.أمام الكلفة الباهظة المتكررة، يفرض سؤال آخر نفسه ألم يحن الوقت لاختيار مسار مختلف؟ مسار يقوم على هدنة طويلة الأمد، وترتيبات واضحة تشمل ترسيم الحدود، انسحابًا إسرائيليًا كاملًا، وعودة الأسرى، ضمن إطار يضع مصلحة لبنان أولًا ويمنع الانزلاق الدائم نحو الحرب.تزداد هذه الأسئلة إلحاحًا في ظل الانهيار الاقتصادي. فبلد يرزح تحت أزمة غير مسبوقة، كيف سيموّل إعادة الإعمار؟ وهل ستُدار العملية بشفافية، أم تتكرر دوامة الهدر والفساد؟أما اتفاقات وقف إطلاق النار، فغالبًا ما تُقدَّم بروايات متناقضة، كل طرف ينتقي منها ما يخدمه، بينما تبقى التفاصيل غامضة. في هذه المنطقة الرمادية، يتوسع التضليل، ويُبنى خطاب كامل على أنصاف الحقائق.لكن هذا الانفصال بين الواقع والخطاب له ثمن من تآكل الثقة، وتعميق الانقسام، وتأجيل أي نقاش جدي حول كيفية حماية البلاد. وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل يمكن بناء سلم أهلي من دون محاسبة؟ التجارب تؤكد أن تجاهل المسؤوليات لا يمنع الانفجار، بل يؤجله. فالمساءلة ليست انتقامًا، بل شرطًا لتفادي تكرار الكارثة.في المحصلة، لا خطاب قادر على محو آثار الدمار أو تخفيف وجع الناس. وحدها الوقائع تفرض نفسها مع الزمن. وعندها، لا يعود السؤال: من انتصر في الكلام؟ بل: من دفع الثمن… وهل تعلّمنا ما يكفي كي لا ندفعه مرة أخرى؟
ما بين الخطاب والواقع، تظهر حقائق قاسية لا يمكن تجاهلها:
* أكثر من 6200 قتيل مُعلن منذ عام 2024، مع تقديرات قد تتجاوز 8000.
* نحو 21800 جريح، بينهم آلاف المصابين بإعاقات دائمة.
* تدمير أو تضرر حوالي 230 ألف وحدة سكنية، منها 75 ألفًا سُوّيت بالكامل.
* خسائر تُقدّر بنحو 38 مليار دولار.
* دمار واسع في البنية التحتية والقطاعات الصحية والتعليمية.
* احتراق أو تجريف نحو 590 ألف دونم من الأراضي الزراعية.
* القضاء على الثروة الحيوانية والنباتية خاصة جنوب لبنان وتلوث الأرض بالمقذوفات الفتاكة .
* تدمير 76 بلدة، بعضها اختفى بالكامل.
* تهجير أكثر من 1.2 مليون إنسان.
في المقابل، لم تتحقق الأهداف المعلنة: لا سيطرة على أي شبر من الأرضي الفلسطينية المحتلة، ولا فرض شروط على إسرائيل، ولا مكاسب ملموسة للبنان أو فلسطين من حرب الإسناد التي للأسف، حولت شريحة واسعة من اللبنانيين إلى بيئة منهكة ومشرّدة بعد أن كانت تتمتع بحياة أكثر استقرارًا .بعد عقود من العمل والتنمية، عادت مناطق بأكملها إلى نقطة الصفر، وتبخرت مدخرات الناس، خصوصًا في البيئة الأكثر تضررًا. ومع ذلك، ما زال خطاب “الانتصار” قائمًا.بين الواقع والادعاء، تبقى الحقيقة واحدة الاعتراف بها ليس ضعفًا، بل بداية الطريق نحو الخلاص والإستقرار والتنمية .




Commenti