top of page

ما بين الاقتصاد والثقافة… العلاقات الإيطالية – الإماراتية وأسسها العميقة

  • 23 feb
  • Tempo di lettura: 2 min


✍️ طلال خريس

رئيس جمعية الصداقة الإيطالية - العربية

تشكل العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيطاليا نموذجاً متقدماً للشراكات الدولية المعاصرة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الأبعاد السياسية والثقافية في صيغة متوازنة تعكس نضج الرؤية لدى الطرفين. غير أن مقاربة هذه العلاقة لا ينبغي أن تختزلها في أرقام التجارة والاستثمار فقط، لأن العلاقات الاقتصادية بطبيعتها ليست ثابتة؛ فهي تتغير بتغير الظروف السياسية، وتتأثر بتقلبات الأسواق والتحولات الجيوسياسية، وتخضع لحسابات المصالح الآنية.لقد شهد التعاون الاقتصادي بين أبوظبي وروما نمواً ملحوظاً في قطاعات الصناعة المتقدمة، والبنية التحتية، والاستثمارات المتبادلة، ما يعكس إرادة واضحة لبناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد. إلا أن التجربة الدولية تؤكد أن المصالح الاقتصادية، مهما بلغت قوتها، تبقى عرضة للتبدل. ومن هنا تبرز أهمية الركيزة الأعمق: الثقافة والفكر والحوار الحضاري.فالعلاقات الثقافية هي الأساس الأكثر رسوخاً واستدامة، لأنها تقوم على المعرفة المتبادلة وتبادل القيم الإنسانية. الثقافة لا تتقلب بسرعة كما تتقلب الأسواق، بل تبني جسوراً ثابتة بين الشعوب. وعندما تتأسس العلاقة بين بلدين على احترام الهوية الحضارية والانفتاح الفكري، فإنها تتحول إلى شراكة استراتيجية حقيقية تتجاوز الظرف السياسي والاقتصادي.في هذا الإطار، تلعب الدبلوماسية الشعبية دوراً محورياً في ترسيخ العلاقات الإيطالية – الإماراتية. فإلى جانب القنوات الرسمية، تسهم الجامعات، ومراكز الدراسات، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، ومنظمات المجتمع المدني في بناء مساحة مشتركة للحوار والتفاهم. هذه الشبكة من التفاعلات غير الرسمية تؤسس لثقة متبادلة تجعل العلاقات أكثر متانة وأقل تأثراً بالتقلبات الطارئة.وفي موازاة البعد الثقافي، يتقدم التعاون في مجال التكنولوجيا والابتكار كأحد أبرز محاور المرحلة المقبلة. فإيطاليا تسعى إلى تعزيز موقعها كمركز أوروبي للتقنيات المتقدمة، بينما تمتلك الإمارات خبرة رائدة في البنى التحتية الرقمية والمدن الذكية. هذا التكامل يفتح آفاقاً لمشاريع مشتركة في الذكاء الاصطناعي، مراكز البيانات، البحث العلمي، والتقنيات الخضراء، بما يعزز تنافسية البلدين في الاقتصاد الرقمي العالمي.أما في قطاع الطاقة، فيتقاطع اهتمام الطرفين بتسريع التحول نحو مصادر مستدامة. فإيطاليا، الساعية إلى تنويع مصادرها وتعزيز أمنها الطاقوي، تجد في الإمارات شريكاً موثوقاً في مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر. وفي المقابل، تستفيد الإمارات من الخبرة الصناعية والتكنولوجية الإيطالية في تطوير حلول مبتكرة ترفع كفاءة الإنتاج وتخفض الانبعاثات.ولا يقتصر التعاون على الاقتصاد والتكنولوجيا، بل يمتد إلى البعد الأمني والدفاعي عبر تبادل الخبرات والتنسيق في مواجهة التهديدات السيبرانية والجريمة المنظمة. هذا التنسيق يعكس إدراكاً مشتركاً بأن الاستقرار والأمن شرط أساسي لازدهار أي شراكة استراتيجية.ومن هنا، فإن تعزيز العلاقات الإيطالية – الإماراتية يتطلب رؤية مستمرة تُعطي الأولوية لترسيخ البعد الثقافي والفكري إلى جانب المصالح الاقتصادية. إن الاستثمار في الحوار الحضاري، ودعم المبادرات الأكاديمية والإعلامية، وتوسيع قنوات الدبلوماسية الشعبية، كفيلٌ بجعل هذه الشراكة أكثر صلابة في مواجهة المتغيرات. فالعلاقات التي تُبنى على المعرفة والاحترام المتبادل لا تهتز بسهولة أمام الأزمات، بل تتحول إلى نموذج يُحتذى به في التعاون الدولي القائم على التوازن والاستدامة .

Commenti


bottom of page