من الخليج إلى المتوسط… الجزائر وإيطاليا نحو إنقاذ أوروبا .
- 28 mar
- Tempo di lettura: 2 min

✍🏻 :وائل المولى – كاتب وصحافي
مع اتساع الحروب في الشرق الأوسط، وارتفاع احتمالات التأخير في إغلاق مضيق هرمز ثم مضيق باب المندب، تدخل أوروبا مرحلة الخطر الاستراتيجي، لأن المسألة لم تعد مجرد ارتفاع أسعار نفط، بل احتمال اختناق اقتصادي حقيقي نتيجة تعطّل طرق الطاقة والتجارة. في هذه اللحظة، لا تبحث الدول عن أفضل الخيارات، بل عن أقربها وأكثرها واقعية، وهنا تظهر أفريقيا، وخاصة شمال أفريقيا، كخيار ليس سياسياً فقط بل جغرافياً وتاريخياً واقتصادياً.كل المؤشرات تدل على أن أفريقيا ستصبح العمق الاستراتيجي لأوروبا في الطاقة والغذاء والمواد الأولية إلى أن يستقر الشرق الأوسط من جديد. لكن هذا التوجه لن يكون هادئاً، بل سيفتح باب صراع نفوذ دولي كبير في أفريقيا بين أوروبا والصين وروسيا وتركيا، لأن من يسيطر على موارد أفريقيا في زمن الأزمات يملك ورقة قوة عالمية.نعم، الاتجاه نحو أفريقيا وخاصة شمالها ليس خياراً فقط، بل ضرورة شبه حتمية. دول مثل الجزائر وليبيا تملك احتياطات طاقة قريبة جغرافياً من أوروبا، ويمكن نقل هذه الطاقة عبر الأنابيب أو عبر البحر المتوسط مباشرة دون المرور بالممرات البحرية المغلقة. الجزائر تحديداً قد تتحول إلى لاعب مركزي في معادلة الطاقة الجديدة، فهي لا تملك الغاز والنفط فقط، بل تملك أيضاً إمكانيات كبيرة في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، وهو ما تحتاجه أوروبا في خططها الطاقوية المستقبلية. ومع الجزائر وليبيا، يمكن لشمال أفريقيا أن يتحول إلى عمق استراتيجي لأوروبا، ليس فقط في الطاقة، بل أيضاً في الزراعة، وخاصة الحبوب، وفي المواد الأولية والمعادن.لكن هذا المسار ليس سهلاً، فهناك تحديات حقيقية، أبرزها عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول الأفريقية، وضعف البنية التحتية، إضافة إلى التنافس الدولي الشرس على القارة، حيث سبقت الصين أوروبا في العديد من الاستثمارات، وتحاول روسيا وتركيا تثبيت نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي هناك.في هذا المشهد، تبرز إيطاليا كلاعب ذكي يحاول استغلال اللحظة التاريخية. فقد عملت روما خلال السنوات الماضية على تعزيز علاقاتها مع الجزائر ودول شمال أفريقيا في مجال الطاقة، وتسعى لأن تتحول إلى بوابة الطاقة نحو أوروبا، أي مركز عبور وتوزيع للغاز والطاقة القادمة من أفريقيا إلى بقية دول الاتحاد الأوروبي. وإذا نجحت إيطاليا في ذلك، فإنها لن تحل فقط جزءاً من أزمة الطاقة الأوروبية، بل ستعزز موقعها السياسي داخل أوروبا نفسها.ومع ذلك، أوروبا لن تكتفي بأفريقيا، بل ستتحرك على عدة محاور في وقت واحد، فستزيد الاعتماد على الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر إذا أمكن تجاوز الأزمة، وستسرّع مشاريع الطاقة المتجددة داخل أوروبا، وقد تعيد إحياء مشاريع الطاقة مع النرويج، إضافة إلى نقل جزء من صناعاتها إلى شمال أفريقيا لتقليل الاعتماد على آسيا والممرات البحرية الخطرة.الخلاصة الاستراتيجية يمكن تلخيصها بجملة واحدة أوروبا لن تستبدل الخليج، بل ستعمل على تفكيك الاعتماد عليه. أي أن أوروبا ستبني نظام طاقة وإمداد جديداً يقوم على تعدد المصادر: جزء من أفريقيا، جزء من الغاز المسال، جزء من الطاقة المتجددة، وجزء من مصادر قريبة وآمنة. لكن في قلب هذا التحول سيبرز محور جديد في المتوسط، عماده الجزائر كمصدر طاقة، وإيطاليا كبوابة عبور، وأوروبا كقوة تبحث عن طريق نجاة في عالم يُعاد رسمه بالقوة والجغرافيا والاقتصاد.




Commenti