top of page

ميلوني والاندماج.. احترام القانون لا يعني إلغاء الهوية

2 ott
Tempo di lettura: 4 min



كتب عصام الحلبي

عندما تقول رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إن من يختار العيش في بلد أجنبي عليه أن يحترم قوانينه وثقافته وتقاليده، فهي تفتح باباً واسعاً للنقاش حول الهجرة والاندماج والعلاقة بين المهاجر والمجتمع الذي يعيش فيه.من الطبيعي أن يحترم الإنسان قوانين البلد الذي يعيش فيه. هذه ليست مسألة إيطالية فقط، بل قاعدة بسيطة يفترض أن تنطبق على الجميع. فمن يذهب إلى بلد آخر للعمل أو الدراسة أو الاستقرار عليه أن يعرف قوانينه ويحترمها، وأن يتعامل مع الناس ومؤسسات الدولة باحترام.لكن هناك فرقاً كبيراً بين احترام القانون واحترام المجتمع من جهة، وبين مطالبة الإنسان بالتخلي عن هويته وثقافته ومعتقده من جهة أخرى.المهاجر عندما يصل إلى بلد جديد لا يصل فارغاً. يأتي معه تاريخه ولغته وذكرياته وعاداته وثقافته ودينه، وهذه الأمور هي جزء من شخصيته. ولا يمكن أن نطلب منه ببساطة أن يترك كل ذلك عند بوابة المطار حتى يصبح مقبولاً في المجتمع الجديد.الاندماج لا يعني أن يصبح المهاجر نسخة عن المواطن الإيطالي أو الفرنسي أو الألماني أو أي مواطن آخر. الاندماج يعني أن يعيش الجميع في مجتمع واحد، تحت سقف القانون نفسه، مع احترام متبادل.وكما أن على المهاجر واجبات، فإن على المجتمع المضيف مسؤوليات أيضاً.إذا كنا نطلب من المهاجر أن يحترم المجتمع الذي يعيش فيه، فعلينا في المقابل أن نحترم إنسانيته. عليه أن يحترم القانون، وعلينا أن نحترم كرامته. عليه أن يتعلم لغة البلد وأن يتعامل مع مؤسساته، وعلينا أن نفتح أمامه الطريق ليكون جزءاً حقيقياً من المجتمع لا مجرد عامل مؤقت نحتاج إليه عندما تكون هناك وظائف شاغرة.وهذه نقطة مهمة جداً في النقاش الأوروبي حول الهجرة.إيطاليا نفسها تعتمد بصورة متزايدة على العمال الأجانب في سوق العمل. ووفق وزارة العمل الإيطالية، بلغ عدد العاملين الأجانب في البلاد في عام 2025 قرابة 2.6 مليون شخص، أي 10.7% من مجموع العاملين. كما أن الدولة الإيطالية حددت أكثر من 164 ألف حصة لدخول مواطنين من دول خارج الاتحاد الأوروبي للعمل خلال عام 2026.وهذا يعني أن الحديث عن المهاجر لا يمكن أن يبقى محصوراً في مشكلة الهجرة أو الحدود أو الخوف من الاختلاف. هناك أيضاً ملايين الأشخاص الذين يعملون، ويدفعون الضرائب والاشتراكات، ويقومون بأعمال تحتاج إليها المجتمعات الأوروبية، ويساهمون في الاقتصاد وفي الحياة اليومية.المهاجر الذي يعمل في مصنع أو مستشفى أو مطعم أو شركة أو مزرعة، والذي يدفع الضرائب ويؤمن لعائلته حياة كريمة، ليس شخصاً يعيش خارج المجتمع. هو جزء من هذا المجتمع، حتى لو احتفظ بلغته أو بعاداته أو بمعتقده.وهنا يجب أن نكون واضحين. الحفاظ على الثقافة لا يعني رفض ثقافة البلد المضيف. والتمسك بالدين لا يعني رفض الآخر. والحديث بلغة الأم داخل البيت لا يعني رفض لغة المجتمع. وارتداء لباس يعبر عن ثقافة أو معتقد لا يعني بالضرورة رفض المجتمع.المشكلة تبدأ عندما يتجاوز أي شخص القانون أو يعتدي على حقوق الآخرين. وهنا لا فرق بين مهاجر ومواطن. القانون يجب أن يكون واحداً على الجميع.لكن المشكلة تبدأ أيضاً عندما يتحول الحديث عن الاندماج إلى محاولة لإلغاء كل ما هو مختلف. فالمجتمع الذي يطلب من المهاجر أن يحترم قوانينه يجب أن يكون قادراً أيضاً على احترام تنوعه الداخلي.أوروبا نفسها لم تتشكل من ثقافة واحدة مغلقة. تاريخها مليء بالحروب والهجرات والتبادل بين الشعوب والأديان والثقافات. والمدن الأوروبية الكبرى اليوم هي مثال واضح على هذا التنوع، حيث يعيش أبناء جنسيات وثقافات وأديان مختلفة جنباً إلى جنب.ولهذا فإن التعدد الثقافي يمكن أن يكون غنى حقيقياً إذا عرف المجتمع كيف يديره بالحوار والاحترام، وليس بالخوف من الآخر.

نحن لا نحتاج إلى مجتمع يتشابه فيه الجميع حتى يعيشوا معاً. نحن بحاجة إلى مجتمع يعرف كيف يختلف الناس فيه من دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة.المهاجر عليه أن يعرف البلد الذي يعيش فيه، وأن يتعلم لغته، ويحترم قوانينه، وأن يشارك في الحياة العامة والاقتصادية، وأن يربي أبناءه على احترام المجتمع الذي يعيشون فيه. وفي المقابل، على البلد المضيف ألا ينظر إلى المهاجر باعتباره ضيفاً إلى الأبد، ولا أن يطالبه بأن يتخلى عن جذوره حتى يحصل على حقه في أن يكون جزءاً من المجتمع.هناك فرق بين الاندماج والذوبان.الاندماج أن أكون معك وأنا أحتفظ بجزء من هويتي. أما الذوبان فهو أن أكون مثلك تماماً حتى تقبلني.وهذا ليس هو المطلوب في المجتمعات الحديثة.الأهم أن نتفق على مساحة مشتركة تحمي الجميع. القانون، احترام الإنسان، رفض العنف، احترام حقوق الآخرين، العمل، التعليم، المسؤولية، والعيش المشترك. أما ما يخص الطعام واللغة والعادات والتقاليد والدين والثقافة، فهذه مساحات يمكن أن تكون متعددة من دون أن تهدد وحدة المجتمع.بل ربما تكون هذه المساحات المتعددة هي التي تجعل المجتمع أكثر حيوية وانفتاحاً على العالم.وفي النهاية، لا يكفي أن نقول للمهاجر: احترم ثقافتنا. يجب أن نقول له أيضاً: نحن نحترم ثقافتك ما دمت تحترم القانون وحقوق الآخرين.هذه هي المعادلة التي يمكن أن تجعل الاندماج عملية متبادلة وليست طريقاً باتجاه واحد.فالمهاجر ليس مجرد يد عاملة لسد النقص، وليس رقماً في إحصاءات الهجرة. هو إنسان، وقد يكون جزءاً من مستقبل البلد الذي يعيش فيه، يعمل فيه، ويدفع الضرائب فيه، ويربي أبناءه فيه، وربما يموت ويدفن فيه.ولذلك فإن الحوار يبقى الطريق الأقصر والأكثر إنسانية. والتعدد الثقافي ليس عبئاً يجب التخلص منه، بل يمكن أن يكون غنى حقيقياً إذا عرفنا كيف نحترم الاختلاف ونعيش معاً.فالنهضة لا يصنعها التشابه، بل يصنعها الإنسان عندما يلتقي بالإنسان، ويتحاور معه، ويتعلم منه، ويختلف معه من دون أن يلغي وجوده.وهنا تحديداً يصبح احترام القانون أساساً للعيش المشترك، ويصبح احترام الإنسان وثقافته أساساً للتعايش، ويصبح التنوع الثقافي فرصة لبناء مجتمع أقوى وأكثر انفتاحاً على المستقبل.

Commenti


bottom of page