الجزائر على موعد مع التاريخ عندما يزور البابا أرض القديس أوغسطين
- 6 giorni fa
- Tempo di lettura: 2 min

✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي
في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب وتتعاظم فيه المشكلات بين الأمم والأديان، تبدو بعض اللحظات كأنها نافذة صغيرة يطلّ منها العالم على أمل مختلف. من بين هذه اللحظات، تبرز الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر بين 13 و15 نيسان/أبريل 2026، في حدثٍ يحمل أبعادًا دينية وسياسية وثقافية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي.فليست الزيارة مجرد محطة في جولة أفريقية، بل لحظة رمزية في تاريخ العلاقات بين العالمين الإسلامي والمسيحي. الجزائر، البلد الذي يختزن في ذاكرته تاريخًا معقدًا من الاستعمار والحروب والتحولات، يفتح أبوابه هذه المرة لزعيم الكنيسة الكاثوليكية في مشهد يختلط فيه التاريخ بالإيمان، والسياسة برسالة السلام.سيصل البابا إلى الجزائر العاصمة حيث يلتقي الرئيس عبد المجيد تبون، في لقاء يعكس رغبة مشتركة في تعزيز الحوار والانفتاح. غير أن رمزية الزيارة لا تقف عند حدود اللقاءات الرسمية، بل تمتد إلى الأماكن التي اختيرت بعناية ضمن برنامجها.في كنيسة نوتردام الإفريقية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، سيترأس البابا قداسًا يجمع أبناء الجالية المسيحية، في لحظة تبدو كأنها رسالة روحية تعبر البحر نحو ضفاف متعددة من العالم. فهذه الكنيسة التي تطل على المتوسط، لطالما كانت رمزًا للتواصل بين شمال أفريقيا وأوروبا، وبين ضفتي حضارتين طالما جمعهما التاريخ وفرقتهما السياسة.لكن ربما تكون أكثر محطات الزيارة عمقًا هي الوقوف عند ذكرى رهبان تيبحيرين السبعة الذين قُتلوا خلال سنوات العنف في تسعينيات القرن الماضي. ففي تلك اللحظة، لن يكون الأمر مجرد زيارة لموقع تذكاري، بل استحضار لذكرى مرحلة دامية من تاريخ الجزائر، ورسالة بأن الألم يمكن أن يتحول مع الزمن إلى جسرٍ للذاكرة والمصالحة.وفي اليوم التالي، يتوجه البابا إلى عنابة لزيارة كنيسة القديس أوغسطينوس، أحد أعظم مفكري المسيحية في التاريخ. هناك، حيث ولد أوغسطينوس وترعرع في أرضٍ كانت ملتقى للحضارات، تعود الذاكرة إلى قرونٍ بعيدة حين كانت شمال أفريقيا مركزًا فكريًا وروحيًا بارزًا في العالم المسيحي.زيارة البابا لهذه الأرض ليست مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل تذكير بأن الحضارات لا تنشأ في العزلة، وأن الأديان الكبرى عبر التاريخ كانت دائمًا تتقاطع في الجغرافيا الإنسانية نفسها ويؤكد رئيس أساقفة الجزائر العاصمة، الكاردينال جان-بول فيسكو، أن هذه الزيارة تحمل رسالة واضحة: تعزيز الأخوّة والحوار بين الأديان في بلدٍ يشكل المسلمون فيه الغالبية الساحقة.

فاستقبال الجزائر لرأس الكنيسة الكاثوليكية يعكس نموذجًا للتعايش واحترام التعددية في منطقة غالبًا ما تُقدَّم للعالم عبر صور الصراع لا صور اللقاء.ولعل الأهم في هذه الزيارة أنها تأتي في مرحلة عالمية شديدة الاضطراب، حيث تتزايد النزاعات وتتصاعد لغة المواجهة بين القوى الكبرى. في مثل هذا المناخ، تبدو رسالة السلام التي يحملها البابا محاولة رمزية للتذكير بأن الحوار لا يزال ممكنًا، وأن الجسور بين الشعوب لم تنهَر بالكامل.في النهاية، قد لا تغيّر زيارة من هذا النوع موازين السياسة الدولية، لكنها قادرة على أن تترك أثرًا في الوعي الإنساني. فبين البحر المتوسط الذي يحمل ذاكرة الحضارات، وأرض أوغسطينوس التي أنجبت أحد أعظم مفكري التاريخ، تستعد الجزائر لاستقبال ضيفٍ يحمل معه رسالة قديمة بقدر الإنسانية نفسها:أن السلام، رغم كل شيء، ما زال يستحق أن يُقال.
▪️عضو جمعية الصداقة الإيطالية - العربية



Commenti