الكنيسة القبطية الكاثوليكية في مصر: بين الحفاظ على التراث ومواكبة تحديات العصر
- 20 giu
- Tempo di lettura: 3 min

مروة الخيال
اختتم السينودس البطريركي للكنيسة القبطية الكاثوليكية بمصر اجتماعاته النصف سنوية يومي 15 و16 يونيو 2026 بمنطقة أبو قرقاص بمحافظة المنيا، برئاسة غبطة البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق سدراك، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك. وقد عكست القرارات والتوصيات الصادرة عن الاجتماع رؤية الكنيسة لمستقبل خدمتها الرعوية والتعليمية والاجتماعية، وحرصها على التفاعل مع المتغيرات المحلية والعالمية.
الكنيسة القبطية الكاثوليكية: جذور عريقة وهوية مميزة
تُعد الكنيسة القبطية الكاثوليكية إحدى الكنائس الكاثوليكية الشرقية، وتتبع الطقس القبطي العريق مع بقائها في شركة كاملة مع الكرسي الرسولي في روما. وترجع جذورها إلى القديس مرقس الرسول الذي بشّر بالمسيحية في مصر خلال القرن الأول الميلادي.وبعد الانقسام الذي أعقب مجمع خلقيدونية عام 451م، استمرت محاولات استعادة الوحدة مع الكنيسة الكاثوليكية عبر القرون، إلى أن تأسست البطريركية القبطية الكاثوليكية الحديثة مع تعيين الأنبا كيرلس ماكاريوس بطريركًا عام 1895، ثم أُعيد تنظيمها رسميًا عام 1947.وتتمسك الكنيسة بتراثها القبطي في الليتورجيا والروحانية واللغة الكنسية، حيث تُقام الصلوات باللغتين العربية والقبطية، مع الالتزام بالعقيدة الكاثوليكية الكاملة وسلطة بابا روما.
دعم التعليم والحفاظ على الهوية الكاثوليكية
أولى آباء السينودس اهتمامًا خاصًا بقطاع التعليم، حيث ناقشوا أوضاع جمعية الصعيد للمدارس، التي تُعد من أبرز المؤسسات التعليمية التابعة للكنيسة الكاثوليكية في مصر.وأشاد المجتمعون بالدور الذي قامت به الجمعية خلال السنوات الماضية، كما رحبوا بالرؤية الجديدة لمجلس إدارتها الهادفة إلى تطوير الخدمة التعليمية وتحديثها بما يتناسب مع احتياجات المجتمع المصري، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الهوية الكاثوليكية والقيم التربوية التي تميز مدارسها.وأكد السينودس استمرار دعمه الكامل لأعمال الجمعية على المستويين المحلي والدولي، باعتبارها أحد أهم أذرع الكنيسة في مجالات التعليم والتنمية البشرية.
اهتمام متزايد بكنائس المهجر
من أبرز الملفات التي ناقشها السينودس ملف كنائس المهجر، حيث استعرض الآباء مع الزوار الرسوليين أوضاع الجاليات القبطية الكاثوليكية خارج مصر واحتياجاتها الرعوية المتزايدة.وفي خطوة تاريخية، أعلن السينودس استمرار دراسة الجوانب القانونية واللوجستية الخاصة بإنشاء أول إيبارشية رسمية للكنيسة القبطية الكاثوليكية خارج مصر، بما يضمن تقديم خدمة أكثر انتظامًا للمؤمنين المنتشرين في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وغيرها من مناطق العالم.
تطوير تكوين الكهنة والمؤمنين
ضمن اهتمام الكنيسة بإعداد كوادرها الروحية والعلمية، قرر السينودس تشكيل لجنة متخصصة لتطوير برامج إعداد المرشحين للكهنوت من المتزوجين، وهو تقليد معروف في الكنائس الشرقية الكاثوليكية ومنها الكنيسة القبطية الكاثوليكية.وتتولى اللجنة مراجعة برامج التكوين الروحي واللاهوتي والراعوي بما يساعد الكهنة الجدد على القيام بخدمتهم بكفاءة أكبر في ظل التحديات المعاصرة.كما تقرر إنشاء لجنة جديدة للتكوين اللاهوتي العقائدي للمؤمنين، منبثقة عن لجنة التعليم المسيحي، بهدف تعميق معرفة أبناء الكنيسة بإيمانهم الكاثوليكي وتعزيز ثقافتهم الدينية بصورة منهجية ومنظمة.
رؤية كنسية لقانون الأحوال الشخصية
ناقش آباء السينودس كذلك التطورات المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، وأعربوا عن تقديرهم للجهود التي تبذلها الدولة المصرية للوصول إلى صيغة قانونية تحقق استقرار الأسرة وتحافظ على حقوق جميع أفرادها، وخاصة الأبناء، في مختلف الظروف والتحديات التي قد تواجه الحياة الأسرية.ويأتي هذا الموقف في إطار مشاركة الكنائس المصرية في الحوار المجتمعي والقانوني المرتبط بتنظيم شؤون الأسرة المسيحية.
الذكاء الاصطناعي في ضوء العقيدة الاجتماعية للكنيسة
خصص السينودس جانبًا مهمًا من مناقشاته لدراسة الرسالة البابوية "الإنسانية الرائعة" للبابا لاون الرابع عشر، والتي تتناول تحديات عصر الذكاء الاصطناعي من منظور العقيدة الاجتماعية للكنيسة.وأكد الآباء أن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يظل في خدمة الإنسان وكرامته، وأن تُستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الحقيقة والعدالة والسلام وخدمة الخير العام.كما حذروا من مخاطر استغلال هذه التقنيات في نشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة أو تشويه سمعة الأشخاص وإثارة الشكوك والانقسامات داخل المجتمع، مشددين على ضرورة الالتزام بالأخلاقيات الإنسانية في العصر الرقمي.
علاقة إيجابية بالدولة والمجتمع
وفي ختام البيان، وجه آباء السينودس الشكر إلى الدولة المصرية وقيادتها السياسية، معربين عن تقديرهم للجهود المبذولة للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها وسط التحديات الإقليمية والدولية المتصاعدة.كما رفعوا الصلوات من أجل استمرار مسيرة التنمية والسلام في مصر، وقدموا التهنئة للمسلمين بمناسبة رأس السنة الهجرية، في تأكيد جديد على قيم المواطنة والعيش المشترك التي تتميز بها الكنيسة القبطية الكاثوليكية.
كنيسة صغيرة عددًا وكبيرة تأثيرًا
ورغم أن عدد أبنائها يقدر بنحو 200 إلى 250 ألف مؤمن داخل مصر إضافة إلى جاليات المهجر، فإن الكنيسة القبطية الكاثوليكية تلعب دورًا بارزًا في مجالات التعليم والرعاية الصحية والخدمة الاجتماعية.وتنتشر خدمتها عبر إيبارشياتها المختلفة في أنحاء الجمهورية، مستندة إلى تراث قبطي أصيل وإلى انفتاح كاثوليكي عالمي، وهو ما يجعلها نموذجًا فريدًا يجمع بين المحافظة على الهوية والانخراط الإيجابي في قضايا المجتمع والعالم المعاصر.ويؤكد البيان الختامي للسينودس أن الكنيسة القبطية الكاثوليكية تسعى اليوم إلى الموازنة بين الوفاء لتراثها الروحي العريق والاستجابة للتحديات الجديدة، سواء في مجال التعليم أو الهجرة أو التشريعات الأسرية أو الثورة الرقمية، واضعة الإنسان وكرامته في قلب رسالتها الرعوية والاجتماعية.



Commenti