top of page

حين يصبح الكتاب هدفًا: فلسطين التي يُراد لذاكرتها أن تصمت

10 ore fa
Tempo di lettura: 5 min

مقدمة

منذ الفترة الممتدة من عام 1948 وحتى اليوم، عبرت القضية الفلسطينية بمحطات تاريخية مأساوية كبرى تميزت للأسف باستهداف البشر والشجر والحجر، دون إيجاد حل لهذا الصراع وانسداد سياسي كامل في ظل استمرار استراتيجية «إدارة الصراع» ونهج سياسة «الكيل بمكيالين» وصمت دولي مخزٍ تجاه المعاناة الإنسانية والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان في فلسطين، حيث تخلت القوى الدولية الكبرى عن فكرة إيجاد تسوية جذرية مثل حل الدولتين، وتم استبدالها بالتركيز على التسهيلات الاقتصادية والهدنات المؤقتة والتراخي والتهاون في تطبيق قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والأمم المتحدة التي تخص فلسطين، مما شجع الاحتلال الإسرائيلي على الاستمرار بالعدوان وسياسة القتل والجرح والاعتقال ومصادرة الأراضي وغيرها.الإبادة الجماعية والاعتداءات ما زالت مستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى اليوم، حيث أفاد جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني أن خسائر قطاع غزة بلغت أكثر من 30 مليار دولار، ودُمر أكثر من 31 ألف مبنى بشكل كامل، وتضرر 60 ألف مبنى بشكل كبير. أما في الضفة الغربية والقدس فتم هدم أكثر من 660 مبنى، هذا عدا عن 75 ألف شهيد و176 ألف جريح في السنوات الثلاث الأخيرة، و1300 شهيد في الضفة والقدس، وأكثر من 10 آلاف أسير، استشهد منهم 93 شهيدًا داخل السجون.وباعتبار أن الصراع هو أيضًا صراع على الرواية والهوية والجغرافيا والتاريخ، تعرضت الثقافة والتراث الفلسطينيان لاستهداف ممنهج على مدار الـ78 عامًا الماضية وحتى اليوم، حيث تواجه الثقافة الفلسطينية محاولات مستمرة للسرقة والتزييف والمحو والإلغاء، لأن الهوية الثقافية تمثل خط الدفاع الأول عن الوجود والتاريخ الفلسطيني في مواجهة سياسات الاستعمار والاستيطان.



الكتب والمخطوطات تحت الأنقاض

على مر هذه السنوات الطوال، تعرضت المؤسسات الثقافية والتعليمية والتراثية في فلسطين للاستهداف على نطاق واسع، تجلت في عدة جوانب تم رصدها والتأكد منها، نذكر منها على سبيل المثال: سرقة التراث المادي واللامادي، مثل نسبة عناصر أصيلة من الثقافة الفلسطينية إلى الاحتلال، مثل المأكولات الشعبية مثل الحمص والفلافل والشكشوكة والكنافة، والثوب الفلسطيني المطرز، وحتى الفنون مثل الدبكة والموسيقى والأغاني التراثية، وتغيير المعالم وتزييف الأسماء، حيث قاموا بتهويد أسماء الأماكن الجغرافية والمواقع التاريخية وتحويل أسماء المدن والقرى والشوارع من أسماء عربية إلى أسماء عبرية لمحاولة طمس التاريخ العربي والإسلامي والمسيحي للمنطقة.كما شمل ذلك محاربة المحتوى الرقمي الفلسطيني على شبكات الإنترنت في محاولة فاشلة لطمس الرواية الفلسطينية على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال حظر المحتوى وتقييد وإلغاء آلاف الحسابات التي تنشر عن الهوية والتاريخ الفلسطيني.أما في السنوات الثلاث الأخيرة، فقد قام الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب إبادة ثقافية في قطاع غزة، ودمّر المكونات الثقافية واستهدف المكتبات ودور الأرشيف التاريخي والمراكز الثقافية والمدارس والجامعات، وقتل مئات الصحفيين والكتاب والشعراء في قطاع غزة، مما أدى إلى فقدان وثائق ومخطوطات تاريخية لا تعوض. وقد جعل هذا الدمار من الثقافة إحدى الخسائر العميقة للحرب، وهي خسارة لا تحظى دائمًا بالاهتمام الذي تحظى به مشاهد الدمار المادي المباشر، رغم أن آثارها قد تستمر عقودًا طويلة.



إحصائيات

بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كان قطاع غزة يضم قبل الحرب 87 مكتبة عامة ومؤسسة مكتبية، تعرضت جميعها لدمار كلي أو جزئي خلال عام 2024، كما تضررت جميع الجمعيات والمراكز الثقافية المسجلة لدى وزارة الثقافة الفلسطينية، فيما دُمرت 30 مؤسسة ثقافية غير مسجلة بالكامل، كما تم تدمير نحو 200 موقع أثري وتراثي من أصل 325 موقعًا مسجلًا في القطاع، إلى جانب تدمير 8 من أصل 15 دار نشر ومطبعة، وفقدان نحو 2100 ثوب وقطعة تطريز كانت ضمن مقتنيات المتاحف.ومن أهم المؤسسات التي تم تدميرها بشكل كامل نذكر، على سبيل المثال، قصف وتدمير الأرشيف المركزي لمدينة غزة وفقدان سجلات تغطي نحو 200 عام من تاريخ المدينة، ومكتبة بلدية غزة العامة، ومكتبة المسجد العمري وفقدان مقتنيات المكتبة النادرة، ومكتبة عطا للأطفال في بيت حانون، ومكتبة ديانا تماري صباغ في مركز رشاد الشوا وفقدان عشرات آلاف الكتب، ومكتبة الكلمة ودار النشر التابعة لها، ومكتبة الجامعة الإسلامية، ومكتبة جامعة الإسراء والمتحف الوطني التابع لها.أما فيما يخص المواقع الثقافية والتراثية التي دُمرت أو تضررت بشكل كبير، نذكر منها مركز رشاد الشوا وقصر الباشا التاريخي ومتحف دار السعادة ومركز المخطوطات التابع له.



مثال حي

السيد م. س، يبلغ من العمر 59 عامًا، من بيت لاهيا في قطاع غزة، كان يملك مكتبة خاصة اسمها «مكتبة أثر»، وكان يملك أكثر من 100 ألف كتاب، حيث يقول:«الحرب دمرت كل شيء، أخذت البيت والمكتبة وأخذت ابني. في إحدى فترات الهدوء توجهت إلى بيتي ومكتبتي المدمر، وأنقذت كمية كبيرة من الكتب من تحت الركام، حوالي 30 ألف كتاب، ونقلتها إلى دير البلح وسط قطاع غزة».

ليجد نفسه أمام تهديد جديد لا يقل خطورة على الكتب: الشمس والمطر والرطوبة. وأضاف:«أنا الآن أعيش داخل خيمة مهترئة مع كتبي وأحاول حمايتها. لم يتبقَّ في غزة سوى القليل من الكتب بعد تدمير المكتبات خلال الحرب».قصة السيد م. س لا تمثل فقط شخصًا حاول الحفاظ على ممتلكاته، بل تمثل أيضًا الخسائر الواسعة التي ضربت البنية الثقافية في غزة.

حقائق

وثقت اليونسكو تضرر 164 موقعًا ثقافيًا وتراثيًا في قطاع غزة حتى 24 مارس 2026، وتشمل هذه المواقع المباني التاريخية والدينية والمتاحف والمواقع الأثرية، وليس المكتبات وحدها، هذا عدا عن مئات المكتبات التابعة للجامعات التي دُمرت، ومكتبات المدارس التي تتبع للمدارس الحكومية والخاصة ومدارس الأونروا التابعة للأمم المتحدة.مع الإشارة إلى أن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية وبعض المنظمات الدولية أشارت في أكتوبر من عام 2026 إلى أن أكثر من 90% إلى 98% من المدارس في قطاع غزة تعرضت للدمار أو لأضرار متفاوتة جراء الحرب، وأكدت أن 179 مدرسة حكومية دُمرت بالكامل، و105 مدارس تابعة للأونروا دُمرت بالكامل، و53 جامعة دُمرت بالكامل.وقدّر البنك الدولي في فبراير من عام 2025 أن 53% من المواقع التراثية في غزة تعرضت للتضرر أو التدمير.


خاتمة

في النهاية نقول إن الحكاية لم تبدأ يوم سقطت المكتبات تحت الركام، ولا حين صارت الكتب رمادًا تتقاذفه الرياح فوق مدينة أنهكها القصف. لقد كان استهداف الثقافة الفلسطينية أسبق من هذه الحرب، وأعمق من أن يُختزل في مشهد رفوف مهدمة أو جدران متصدعة.فمنذ سنوات، كانت الأماكن التي يتنفس فيها الفلسطيني حريته، ويصوغ فيها أسئلته، ويعيد اكتشاف ذاته خارج أسوار الخوف، كانت أعداء الشمس يسدون نوافذ الفرح ويستهدفون الموسيقى والمسرح والفعل الثقافي، في الضفة وغزة والقدس. هنا لم يُستهدف المكان وحده، بل ما يتيحه المكان من حياة، وما تمنحه الثقافة للإنسان من قدرة على الحلم والاختلاف والقدرة على القول: لا.

إن الحرب على غزة لا تُقرأ في عدد البيوت التي سُويت بالأرض وحدها، بل أيضًا في عدد النوافذ التي أُغلقت على المعرفة، والمسارح التي أُسكتت، والألحان التي فقدت فضاءها، والكتب التي حُرمت من قرائها. ومن هنا يمتد خيط واحد من الأسئلة: ماذا يبقى من مدينة حين تُستهدف الأماكن التي تمنحها القدرة على تخيل نفسها؟ وكيف يمكن لذاكرة شعب أن تصمد حين تتعرض الشواهد التي تحفظها للتدمير؟من هذا السؤال تبدأ الحكاية، لا من الركام بوصفه نهاية الأشياء، بل من الثقافة بوصفها ما يجعل النهاية مستحيلة، وما يمنح الإنسان، حتى في أحلك العتمة، حقه في أن يظل قادرًا على التفكير والحلم والغناء، وأن يروي حكايته هو بصوته.



والخسارة في الجبهة الثقافية أشد قسوة؛ لأن الثقافة هنا لم تكن يومًا منفصلة عن معركة البقاء، بل كانت جزءًا من معنى البقاء نفسه. كانت فعلًا يوميًا في مواجهة المحو، ومحاولة لصون الاسم من التبديد، والذاكرة من التشتت، والصوت من أن يتحول إلى صدى بعيد.

ومن هنا، فإن النظر إلى المكتبات والمراكز الثقافية المدمرة بوصفها أبنية أصابتها الحرب فحسب، يغفل ما هو أعمق: أن هذه الأمكنة كانت مستودعات للذاكرة، ومنابر للحرية، ومختبرات صغيرة لإنتاج المعنى في واقع يسعى، يومًا بعد يوم، إلى مصادرة شروط الحياة.إن السؤال الذي تطرحه هذه الخسائر لا يتعلق فقط بعدد المكتبات التي دُمرت، بل يتعلق أيضًا بما إذا كان العالم قادرًا على حماية المؤسسات التي تحفظ ذاكرة الشعوب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبتها التحقيقات، وضمان ألا يتحول تدمير الثقافة إلى خسارة تُنسى بمجرد انحسار صور وضجيج الحرب.ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار إلى المكتبات والثقافة في فلسطين وغزة تحديدًا ليست خطوة لاحقة لإعادة الإعمار، بل جزء أصيل من العدالة الثقافية والإنسانية، ومن أي مستقبل يُراد له أن يقوم على المعرفة والكرامة والحق في الحياة.


د. عودة عمارنة


كاتب وشاعر ومترجم فلسطيني – روما، إيطاليا.

Commenti


bottom of page