top of page

دمشق تعيد تعريف العلاقة مع لبنان

  • 2 ore fa
  • Tempo di lettura: 2 min


✍️* وائل المولى – كاتب وصحافي



في السياسة، هناك زيارات تُسجل في البروتوكول، وأخرى تُقرأ باعتبارها مؤشراً على تحولات أعمق في الرؤية والاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، ليس باعتبارها محطة دبلوماسية عادية، بل كإعلان عن مقاربة سورية جديدة للعلاقة مع لبنان، عنوانها الدولة، والمصالح المشتركة، والتعاون المؤسسي، في لحظة إقليمية تعيد فيها المنطقة بأسرها رسم أولوياتها وتحالفاتها.اللافت في الزيارة لم يكن حجم اللقاءات فحسب، بل تنوعها أيضاً. فمن قصر بعبدا إلى عين التينة والسراي الحكومي، مروراً بالمرجعيات الدينية والقيادات السياسية من مختلف الاتجاهات، حرص الشيباني على توجيه رسالة مفادها أن دمشق تنظر إلى لبنان بوصفه دولةً بمؤسساتها ومكوناتها كافة، وأن العلاقة المستقبلية لا يمكن أن تُبنى إلا على الحوار المباشر والاحترام المتبادل وحسن الجوار.هذا التوجه تُرجم عملياً بتوقيع اتفاقية إنشاء اللجنة العليا السورية–اللبنانية المشتركة، لتكون إطاراً دائماً للتنسيق في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، إضافة إلى النقل والطاقة والمياه والثقافة والصحة، في خطوة تعكس رغبة مشتركة بالانتقال من إدارة الملفات الموسمية إلى بناء شراكة مؤسساتية قادرة على مواكبة تحديات المرحلة المقبلة.ومن بين الرسائل التي استوقفت المراقبين، تصريح الشيباني بأنه لا يوجد لقاء مع حزب الله خلال الزيارة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن دمشق منفتحة على ذلك إذا اقتضت المصلحة. لم يكن هذا التصريح نفياً للعلاقة ولا إعلاناً لقطيعة، بل كشف عن مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على أن الأولوية في هذه المرحلة هي للعلاقة الرسمية مع الدولة اللبنانية، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى عندما تفرض المصالح ذلك، بما يعكس سياسة أكثر مرونة وأقل خضوعاً للاصطفافات التقليدية.وفي السياق نفسه، شدد الشيباني على رفض سوريا للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، مؤكداً دعم الدولة اللبنانية في مساعيها لترسيخ الأمن والاستقرار، في رسالة تجمع بين الثبات على الموقف تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، وبين التأكيد أن استقرار لبنان هو مصلحة سورية مباشرة.أما الجانب اللبناني، فقد قابل هذه الرسائل بخطاب مماثل. فقد أكد الرئيس جوزيف عون أن سوريا ولبنان حريصان على استقرار بعضهما البعض، وكشف عن دعوة رسمية تلقاها لزيارة دمشق، فيما وصف رئيس الحكومة نواف سلام الزيارة بأنها استكمال لمسار إعادة بناء العلاقات بين البلدين، معلناً الاتفاق على تشكيل لجنة عليا مشتركة، إلى جانب دفع مشاريع التعاون، وفي مقدمتها الربط الكهربائي والملفات الاقتصادية.ما جرى في بيروت يتجاوز حدود زيارة وزير خارجية أو توقيع اتفاقية تعاون، فهو يعكس محاولة سورية لإعادة تعريف العلاقة مع لبنان وفق رؤية جديدة تضع الدولة في صلب المعادلة، وتستند إلى المصالح المشتركة بدلاً من منطق الاصطفافات. ويبقى نجاح هذه المقاربة مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل الخطاب السياسي إلى خطوات عملية، لأن العلاقات بين الدول لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بقدرتها على إنتاج شراكة مستقرة تصمد أمام تعقيدات الإقليم وتحولاته.

*ممثل جمعية الصداقة الإيطالية - العربية في سوريا

Commenti


bottom of page