سوريا والفرات: بين عطش الأمس وطوفان اليوم
- 1 ora fa
- Tempo di lettura: 2 min

✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي
تشهد مناطق واسعة على ضفاف نهر الفرات في سوريا ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب المياه أدى إلى غرق عشرات القرى والأراضي الزراعية، وتضرر المنازل والجسور والبنية التحتية في محافظتي الرقة ودير الزور. شرق سوريا وتشير التقديرات الأولية إلى أن عشرات القرى تأثرت بشكل مباشر بهذه الفيضانات، وسط خسائر كبيرة في محاصيل القمح التي تمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في المنطقة.وتأتي هذه التطورات بعد موسم مطري غزير شهدته تركيا، وهذا ماجعلها تفتح بوابات بعض السدود الكبرى، وفي مقدمتها سد أتاتورك، لتصريف الفائض المائي الناتج عن امتلاء الخزانات. وقد أدى ذلك إلى تدفق كميات كبيرة من المياه باتجاه الأراضي السورية خلال فترة زمنية قصيرة، ما دفع الجهات المعنية السورية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية وفتح بوابات سد الفرات لتخفيف الضغط المتزايد على البحيرة والسد ومنع وقوع أضرار أكبر.المفارقة أن السوريين كانوا حتى وقت قريب يعيشون أزمة معاكسة تماماً. فعلى مدى سنوات طويلة، تراجع منسوب نهر الفرات إلى مستويات مقلقة، وسط شكاوى متكررة من انخفاض كميات المياه الواردة من تركيا، الأمر الذي انعكس على الزراعة وإنتاج الكهرباء ومخزون المياه الاستراتيجي. وكانت التحذيرات تتحدث آنذاك عن كارثة جفاف تهدد حياة ملايين السوريين،والعراقيين معاً بينما باتت المناطق نفسها اليوم تواجه خطراً مختلفاً يتمثل في الفيضانات والتدفقات المائية المفاجئة.

هذه الصورة المتناقضة تعكس حقيقة أعمق تتعلق بمكانة المياه في الصراعات الإقليمية الحديثة. فتركيا، التي تسيطر على منابع الفرات عبر شبكة واسعة من السدود ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول، تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في تدفقات النهر نحو سوريا والعراق. ولذلك لم يعد ملف المياه قضية بيئية أو خدمية فحسب، بل تحول إلى ملف سيادي واستراتيجي يرتبط بالأمن القومي والغذائي والطاقة والاستقرار الاجتماعي.كما أن أهمية الفرات في سوريا تتجاوز دوره كمصدر للمياه، فهو شريان اقتصادي وحضاري وجغرافي تمر عبره ملفات الزراعة والكهرباء والنقل والطاقة، فضلاً عن ارتباطه بمناطق تشهد تداخلاً معقداً بين النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي. ومن هنا فإن أي تغير مفاجئ في منسوب النهر يترك آثاراً مباشرة على حياة السكان وعلى التوازنات القائمة في شرق البلاد.وبين سنوات الجفاف القاسية والفيضانات المدمرة، يبدو أن سكان ضفاف الفرات يدفعون مجدداً ثمن غياب إدارة إقليمية مشتركة ومستدامة للموارد المائية. فالنهر الذي صنع حضارات المنطقة عبر آلاف السنين لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للأزمات والكوارث، بل إلى مساحة للتعاون والشراكة، لأن أمن المياه بات اليوم جزءاً لا يتجزأ من أمن الدول واستقرار الشعوب .



Commenti