top of page

ماري السورية.. هنا كُتبت فصول السياسة قبل أربعة آلاف عام

14 ore fa
Tempo di lettura: 2 min

✍🏻 وائل المولى – كاتب وصحافي


لم تكن ماري مجرد مدينة قديمة على ضفاف الفرات، بل كانت واحدة من المراكز السياسية والحضارية التي أسهمت في تشكيل تاريخ الشرق القديم. فمن أرض دير الزور السورية، خرجت وثائق تكشف أن مفاهيم الدولة والإدارة والدبلوماسية لم تكن وليدة العصر الحديث، بل امتلكت جذوراً عميقة في حضارات المنطقة قبل نحو أربعة آلاف عام.


تقع ماري في موقع تل الحريري، قرب البوكمال، وقد نشأت نحو عام 2900 قبل الميلاد. وبفضل موقعها الاستراتيجي على الفرات، تحولت إلى عقدة تجارية تربط بلاد الرافدين بالمناطق السورية غرباً، مستفيدة من حركة السفن والقوافل وتبادل السلع، لتصبح مركزاً اقتصادياً وسياسياً تتجاوز أهميته حدود المدينة.



لكن الاكتشاف الأهم لماري لم يكن في حجارتها، بل في ألواحها الطينية. فقد عثر علماء الآثار على آلاف النصوص المسمارية داخل القصر الملكي، بينها نحو 15 ألف نص من الحقبة الأمورية. وهذه الوثائق ليست مجرد سجلات صامتة، بل أرشيف حي يوثق المراسلات الملكية، وإدارة الموارد والضرائب، وشؤون الجيش، والتحالفات والصراعات بين الممالك.


وتكشف رسائل ملوك ماري عن عالم سياسي بالغ التعقيد، كانت فيه المعلومات والتحالفات والمفاوضات أدوات أساسية لحماية المصالح وتثبيت النفوذ. فالرسائل كانت تنقل الأخبار من المناطق البعيدة، وتتابع تحركات الخصوم، وتناقش العلاقات مع الحكام المجاورين، في مشهد يعكس ملامح مبكرة للدبلوماسية المنظمة.


وفي قلب هذه الحكاية يبرز الملك زمري ليم، الذي حكم ماري في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، واستعاد استقلالها بعد انهيار سلطة شمشي أدد. شهد عهده ازدهاراً سياسياً وثقافياً، وارتبط اسمه بالقصر الملكي الذي كشفت جدارياته عن مستوى متقدم من الفن والعمارة، فيما حفظت مراسلات عصره تفاصيل دقيقة عن علاقات المملكة بمحيطها.


غير أن موقع ماري الاستراتيجي جعلها أيضاً جزءاً من صراع القوى الكبرى. ففي نحو عام 1760 قبل الميلاد، تمكن الملك البابلي حمورابي من هزيمتها، منهياً استقلالها ومسبباً دماراً واسعاً في مركزها الملكي. لكن ما بدا نهاية للمملكة تحول، بصورة غير مقصودة، إلى بداية جديدة لذاكرتها التاريخية؛ إذ حفظت الأنقاض وثائق أصبحت لاحقاً من أهم مصادر دراسة الشرق القديم.


وفي عام 1933 بدأت أعمال التنقيب الحديثة في تل الحريري بقيادة عالم الآثار الفرنسي أندريه بارو، لتكشف تدريجياً عن كنوز ماري وأسرارها. واليوم، تكتسب حماية الموقع أهمية مضاعفة في ظل الأضرار التي لحقت بالتراث السوري خلال سنوات الحرب.


إن ماري ليست مجرد فصل من الماضي السوري، بل شاهد على دور سوريا في صناعة الحضارة، وعلى أن هذه الأرض لم تكن هامشاً في التاريخ، بل مساحة تفاعلت فيها التجارة والسياسة والثقافة، وتركت للعالم إرثاً يروي كيف تحدثت الدول القديمة بلغة الطين، قبل أن تكتب التاريخ على الورق.

Post recenti

Mostra tutti
Amman - Dal cuore del Teatro Romano verso il mondo

Assadakah News - La Giordania punta sullo sport internazionale per rilanciare il turismo globale Si è conclusa nella capitale, Amman, la "Settimana delle Arti Marziali Miste" (MMA) in Giordania. L'eve

 
 
 

Commenti


bottom of page