top of page

الجزائر تستقبل البابا و تفتح بوابة السلام ..

  • 14 apr
  • Tempo di lettura: 2 min



مروة خيال


ليست كل الزيارات تُقاس بعدد اللقاءات أو الصور، فبعضها يُقاس بما يكشفه من عمق في الرؤية وقدرة على صناعة اللحظة الدولية. هكذا يمكن قراءة زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر، التي لم تكن مجرد حدث ديني، بل نتيجة عمل دبلوماسي هادئ وذكي نجحت الجزائر من خلاله في فرض نفسها كمنصة للحوار العالمي.خلف هذا المشهد، تقف دبلوماسية جزائرية تعرف كيف تتحرك بصمت، لكنها تصيب أهدافها بدقة. فاستضافة رأس الفاتيكان في هذا التوقيت الحساس تعكس قدرة الجزائر على قراءة التحولات الدولية، واستثمار موقعها كدولة غير منخرطة في الاستقطابات الحادة، بل قادرة على جمع المتناقضات حول طاولة واحدة.هذه ليست مصادفة، بل نتيجة تراكم تاريخي في السياسة الخارجية الجزائرية، التي لطالما فضّلت دور الوسيط على دور الطرف، ودور الجسر على دور الجدار. ومن هنا، تأتي أهمية الزيارة: إنها اعتراف ضمني بأن الجزائر ليست فقط دولة إقليمية، بل فاعل قادر على التأثير في الملفات ذات البعد العالمي، وخاصة تلك المرتبطة بالحوار الديني والسلام.في الوعي العربي، يحمل الفاتيكان مكانة خاصة. فرغم الاختلاف الديني، ينظر كثيرون إليه كرمز أخلاقي عالمي، وصوت يدعو إلى التهدئة في زمن التصعيد.

حضور البابا في أي ساحة دولية غالبًا ما يُستقبل بارتياح عربي، لأنه يعيد التذكير بأن هناك قوة ناعمة ما تزال تؤمن بأن السلام ممكن، وأن الصراعات ليست قدرًا حتميًا.من هذا المنطلق، تبدو الجزائر وكأنها أعادت توجيه البوصلة نحو معنى مختلف للنفوذ: نفوذ لا يقوم على القوة العسكرية أو الضغوط الاقتصادية، بل على القدرة على استقطاب الرموز العالمية التي تحمل خطابًا إنسانيًا جامعًا. وهذا بحد ذاته إنجاز دبلوماسي، لأنه يعيد تعريف الدور العربي في العالم، من موقع الفعل لا رد الفعل.كما أن اختيار الجزائر تحديدًا يعكس ثقة بقدرتها على احتضان هذا النوع من الرسائل. فهي بلد مسلم، لكنه في الوقت نفسه يمتلك عمقًا تاريخيًا وثقافيًا يسمح له بأن يكون نقطة التقاء بين حضارات مختلفة. هذا التوازن هو ما منح الزيارة بعدها الاستثنائي، وجعل منها أكثر من مجرد محطة ضمن جولة بابوية.في عالم تتزايد فيه الانقسامات، تحتاج المنطقة العربية إلى مثل هذه اللحظات، حيث يلتقي السياسي بالروحي، وتُفتح مساحات للحوار بدل الصدام. وهنا، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته الجزائر في تحويل هذه الفكرة إلى واقع ملموس.في المحصلة، لم تستضف الجزائر زيارة عادية، بل صنعت حدثًا يعكس قوة دبلوماسيتها وعمق رؤيتها. أما الفاتيكان، فحضر كعادته حاملاً رسالة سلام، يجد فيها العالم العربي دائمًا مساحة للارتياح، لأنها تذكّره بأن هناك من لا يزال يؤمن بأن الحوار يمكن أن ينتصر، حتى في أكثر الأزمنة قسوة.

Commenti


bottom of page