«الصبي الذي يهمس للجمال»... عندما تأخذ السينما روما إلى قلب الصحراء

بقلم لورا اليغريني
دعيت من سفارة المملكة العربية السعودية في روما لحضور عرض الفيلم السعودي «حجّان» (Hajjan)، الحائز على عدد من الجوائز، وذلك في قاعة السينما بفندق «سوهو».كانت تجربة مميزة بالنسبة لي؛ فقد منحتني السينما فرصة للعودة، ولو للحظات، إلى أجواء المملكة العربية السعودية، بما تحمله من ألوان ومشاهد وصور وإيحاءات ثقافية وإنسانية غنية.ما تركه الفيلم في داخلي لم يكن مجرد انطباع بصري عن الصحراء أو عن عالم سباقات الهجن، بل كان إحساسًا بأنني اقتربت من عالم إنساني وثقافي مختلف، يحمل الكثير من الجمال والرمزية.
حكاية تبدأ بهمسة
يروي «حجّان» قصة الصبي مطر وناقته «حفيرة»، والعلاقة الاستثنائية التي تنشأ بينهما. ومنذ اللحظات الأولى، يبدو واضحًا أن هذه العلاقة تتجاوز فكرة امتلاك الحيوان أو تربيته، لتصبح رابطة قائمة على الثقة والوفاء والتعلق.أكثر ما لفتني هو الطريقة التي تبدأ بها الحكاية: عندما تولد «حفيرة»، يعتقد الجميع أنها ماتت، لكن مطر لا يستسلم. يحاول إنقاذها، ويهمس في أذنها مغنيًا لها من التراث القديم ما يعرف باسم «الهُداء».تتحول تلك الهمسة إلى لحظة إنسانية شديدة الخصوصية؛ فالصوت هنا لا يكون مجرد غناء، وإنما يصبح وسيلة للتواصل، وكأن الصبي يجد لغة خاصة لا تحتاج إلى كلمات كثيرة.ومن هذه اللحظة يبدأ الرابط بين مطر وناقته في النمو، ليصبح محورًا أساسيًا في رحلة الفيلم.

«الهُداء»... صوت من ذاكرة الصحراء
من خلال «حجّان»، تعرفت أكثر إلى جانب من التراث المرتبط بالإبل في الجزيرة العربية، ومنه «الهُداء»، وهو أحد أشكال الغناء التقليدي المرتبط برعاة الإبل.هذا الغناء يحمل إيقاعًا يساعد على تهدئة الإبل وتوجيهها أثناء الرحلات، ويكشف في الوقت نفسه عن طبيعة العلاقة القديمة بين الإنسان والحيوان في البيئة الصحراوية.ما أعجبني في الفيلم أن «الهُداء» لم يظهر كعنصر تراثي منفصل عن القصة، بل أصبح جزءًا من روحها. فالغناء والهمس والصحراء والناقة كلها تتداخل لتصنع لغة عاطفية خاصة بين مطر و«حفيرة».
«حجّان»... عالم الإبل وسباقات الهجن
يحمل اسم الفيلم نفسه دلالة مرتبطة بعالم الإبل وسباقات الهجن، ومن خلاله ندخل إلى عالم مختلف مليء بالتحديات والمنافسة والمشاعر.يخوض مطر رحلة صعبة من أجل حماية ناقته والحفاظ على العلاقة التي بدأت بينهما منذ لحظة ولادتها. وبين الصحراء وسباقات الهجن، تتحول الحكاية إلى رحلة عن الصداقة والوفاء والشجاعة والتعلق.بالنسبة لي، لم يكن «حجّان» مجرد فيلم عن صبي وناقة، بل كان نافذة على ثقافة وبيئة وتقاليد ربما لا يعرف عنها المشاهد الإيطالي الكثير.
من السعودية إلى روما
ما يجعل السينما مميزة في نظري هو قدرتها على نقلنا إلى أماكن لم نعش فيها، وتعريفنا بأشخاص وثقافات قد تبدو بعيدة عنا، ثم تجعلنا نشعر بأنها قريبة.وهذا ما شعرت به وأنا أشاهد «حجّان» في روما.من خلال الصور والصحراء والألوان والموسيقى وعلاقة مطر بـ«حفيرة»، استطاع الفيلم أن ينقل جزءًا من روح المملكة العربية السعودية إلى قاعة السينما في قلب العاصمة الإيطالية.كانت دعوة سفارة المملكة العربية السعودية في روما لحضور هذا العرض مناسبة جميلة ومختلفة، ليس فقط لمشاهدة فيلم سينمائي، وإنما لاكتشاف عالم ثقافي وإنساني جديد من خلال لغة الفن.وفي النهاية، بقيت الهمسة الأولى في أذن «حفيرة» هي الصورة الأكثر حضورًا في ذاكرتي: همسة صغيرة، لكنها كانت كافية لبدء حكاية كبيرة عن الإنسان والحيوان والصحراء والوفاء.




Commenti