العراق ومكافحة الفساد: من تراكم الأزمات إلى فرصة استعادة الدولة
- 2 ore fa
- Tempo di lettura: 3 min

د. إدريس أحميد *
تأتي حملة مكافحة الفساد في العراق في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، حيث تتقاطع التحديات السياسية والاقتصادية مع إرث طويل من الأزمات التي شكلت بنية الدولة والمجتمع على مدى عقود. فملف الفساد في العراق لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق التاريخي الممتد، ولا عن طبيعة التحولات التي مر بها البلد قبل وبعد عام 2003.
إرث الحروب والعقوبات قبل 2003
لم يدخل العراق مرحلة ما بعد 2003 من فراغ، بل كان يحمل إرثًا ثقيلًا من الحروب المتتالية، بدءًا من الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، مرورًا بحرب الخليج وما تبعها من حصار اقتصادي وعقوبات دولية قاسية. وقد أدت هذه المرحلة إلى إنهاك الاقتصاد العراقي، وتراجع مؤسسات الدولة، وظهور اختلالات اجتماعية واقتصادية عميقة، إضافة إلى هجرة واسعة للكفاءات العراقية إلى الخارج.ورغم كل ذلك، بقيت مؤسسات الدولة تعمل ضمن إطار مركزي صارم، مع وجود فساد بدرجات محدودة مقارنة بما شهدته المراحل اللاحقة، لكنه كان محكومًا ببنية دولة قوية نسبيًا من حيث السيطرة الإدارية.
ما بعد 2003: انهيار الدولة وبداية التحول
جاء عام 2003 ليشكل نقطة تحول كبرى، حيث أدى سقوط النظام إلى انهيار واسع في مؤسسات الدولة، وظهور فراغ سياسي وأمني ومؤسساتي، ما فتح الباب أمام الفوضى وتراجع سلطة القانون، وظهور أشكال جديدة وأكثر تعقيدًا من الفساد.كما شهدت البلاد عمليات نهب واسعة وضياع جزء كبير من الاستثمارات والأموال، إضافة إلى تهريب أموال إلى الخارج، في ظل غياب الاستقرار وضعف مؤسسات الدولة. وكان يفترض أن تكون هذه المرحلة بداية لبناء دولة حديثة تقوم على الديمقراطية والمؤسسات والشفافية، إلا أن الواقع اتجه نحو مسار مختلف.
المحاصصة وتعقيد المشهد السياسي
أدى النظام السياسي الجديد إلى ترسيخ المحاصصة الطائفية والحزبية، ما جعل تقاسم السلطة والنفوذ يتقدم على بناء مؤسسات الدولة. هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على الأداء الحكومي، وأدى إلى انتشار الفساد المالي والإداري داخل عدد من المؤسسات.ورغم مرور أكثر من عقدين على التغيير السياسي، لا يزال العراق يعاني من أزمات بنيوية، أبرزها ضعف الخدمات العامة وأزمة الكهرباء والبطالة، في وقت لا تزال فيه الثروات النفطية الضخمة غير مستثمرة بالشكل الذي ينعكس على حياة المواطن.
الفساد: ظاهرة عالمية وإشكالية محلية
الفساد ليس ظاهرة عراقية بحتة، بل هو مشكلة عالمية موجودة في مختلف الدول، بما فيها الدول المتقدمة. لكن الفرق يكمن في قدرة الدول على مواجهته عبر الشفافية، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وقوة المؤسسات الرقابية.وفي الحالة العراقية، فإن خطورة الفساد لا تكمن فقط في وجوده، بل في ارتباطه ببنية سياسية وإدارية نشأت بعد 2003، جعلت مواجهته أكثر تعقيدًا، وأثرت على قدرة الدولة في بناء نظام مؤسسي مستقر.
الحملة الحالية وفرصة الإصلاح
إن حملة مكافحة الفساد الحالية تمثل فرصة مهمة لإعادة تصحيح مسار الدولة العراقية، لكنها تبقى مرهونة بمدى استمراريتها وابتعادها عن الانتقائية أو الاستخدام السياسي. فالنجاح الحقيقي لا يكون في عدد الاعتقالات، بل في بناء منظومة شفافة قائمة على القانون والمساءلة.كما أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يترافق مع إنهاء ثقافة المحاصصة، وتوطين المؤسسات، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ مبدأ تداول السلطة وفق قواعد دستورية واضحة.
البعد الدولي والاهتمام الأمريكي
لا يمكن تجاهل الاهتمام الدولي بالعراق، خصوصًا من جانب الولايات المتحدة التي تنظر إليه كدولة محورية في استقرار المنطقة. ويأتي تعيين مبعوث أمريكي جديد للعراق في هذا السياق، كإشارة إلى استمرار التركيز على الملف العراقي في ظل التوترات الإقليمية، خاصة ما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الإيرانية وتداعيات الصراع في المنطقة.لكن رغم هذا الاهتمام الخارجي، فإن أي إصلاح حقيقي يبقى مرتبطًا بالإرادة العراقية الداخلية، وليس بالعوامل الخارجية، لأن بناء الدولة هو مسؤولية وطنية بالدرجة الأولى.
الإرادة العراقية وفرصة المستقبل
إن الإرادة العراقية تبقى العامل الحاسم في نجاح أي مشروع إصلاحي. فالعراق يمتلك إمكانيات هائلة تؤهله للعودة إلى مكانته الطبيعية عربيًا وإقليميًا ودوليًا، من خلال موارده النفطية، وثروته البشرية، وموقعه الاستراتيجي.وإذا ما استمرت حملة مكافحة الفساد ضمن إطار الشفافية والعدالة، فقد يكون العراق أمام فرصة حقيقية لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، والانتقال من دولة الأزمات إلى دولة المؤسسات.
خاتمة
إن تجربة العراق تعكس بوضوح أن التحدي لا يكمن فقط في تغيير الأنظمة السياسية، بل في بناء مؤسسات قادرة على الصمود أمام الأزمات. فالحروب والعقوبات وسقوط الدولة والمحاصصة كلها عوامل ساهمت في تشكيل الواقع الحالي، لكن المستقبل لا يزال مفتوحًا أمام إمكانية الإصلاح.فمحاربة الفساد ليست مجرد إجراء إداري، بل هي معركة لبناء الدولة واستعادة الثقة، وإعادة توجيه ثروات العراق نحو التنمية، بما يضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا وعدالة للأجيال القادمة.
* إدريس احميد - كاتب وصحفي ليبي




Commenti