top of page

الفاتيكان والجزائر ... نحو تحالف المحبة والإستقرار

  • 6 giorni fa
  • Tempo di lettura: 2 min


✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي


في لحظة دولية مشحونة بالصراعات والتحولات، جاءت زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر كإشارة تتجاوز البعد الديني، لتلامس عمق التوازنات السياسية وإعادة تشكيل النفوذ الناعم. لم يكن المشهد مجرد لقاء بين رأس الكنيسة الكاثوليكية ودولة مسلمة، بل تعبيرًا عن محاولة واعية لإعادة تعريف أدوار الفاعلين الدوليين في عالم لم تعد تحكمه القوة الصلبة وحدها.في الظاهر، حملت الزيارة شعار “السلام عليكم”، في محاولة واضحة لبناء جسر لغوي وثقافي مع العالم الإسلامي. لكن في العمق، تعكس الزيارة إدراكًا متزايدًا لدى الفاتيكان بأن موازين التأثير العالمي لم تعد تُدار فقط عبر العواصم الغربية، بل عبر الأطراف التي تمتلك مفاتيح التوازن الديني والروحي، وفي مقدمتها شمال إفريقيا.اختيار الجزائر لم يكن صدفة. فالدولة التي حافظت تاريخيًا على استقلالية قرارها السياسي، تسعى اليوم إلى إعادة تموضعها كفاعل متوازن بين الشرق والغرب. استقبال البابا يقدّم للجزائر فرصة لتقديم نفسها كنموذج للتعايش والانفتاح، في وقت تتعرض فيه دول أخرى في المنطقة لضغوط متزايدة بسبب ملفات الحريات الدينية.

غير أن الرسالة لا تتوقف عند الجزائر. فالزيارة تأتي في سياق دولي يتسم بتصاعد النزاعات ذات الطابع الديني، من الشرق الأوسط إلى أطراف أوروبا. وهنا، يحاول الفاتيكان إعادة إنتاج دوره كوسيط أخلاقي عالمي، لا يملك أدوات القوة الصلبة، لكنه يجيد استخدام الرمزية والتاريخ والتأثير الروحي.اللافت في الزيارة كان التوقف في عنابة، حيث إرث القديس أوغسطينوس، في استدعاء واضح لذاكرة مسيحية عميقة في شمال إفريقيا. هذا البعد ليس دينيًا فقط، بل يحمل رسالة حضارية مفادها أن المنطقة لم تكن يومًا خارج التاريخ الغربي، بل جزءًا من تكوينه الفكري والروحي والثقافي .سياسيًا، يمكن قراءة الزيارة كجزء من محاولة أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ الناعم في إفريقيا، في ظل التنافس الدولي المتصاعد على القارة. فبين الحضور الصيني الاقتصادي، والعودة الروسية الأمنية، يسعى الفاتيكان إلى تثبيت موطئ قدم مختلف، قائم على الدين والهوية والقيم.

أما داخليًا، فقد منحت الزيارة السلطة الجزائرية فرصة لالتقاط صورة نادرة حيث أن دولة مسلمة تستقبل رأس الكنيسة الكاثوليكية، في مشهد يُراد له أن يعكس الاستقرار والانفتاح. لكن هذا المشهد، رغم قوته الرمزية، يظل اختبارًا حقيقيًا لمدى ترجمة هذه الرسائل إلى سياسات مستدامة على الأرض.في المحصلة، لم تكن زيارة البابا للجزائر مجرد حدث بروتوكولي، بل لحظة تقاطع بين الدين والسياسة، بين الرمزية والواقعية. إنها رسالة متعددة الاتجاهات إلى العالم الإسلامي، إلى الغرب، وإلى إفريقيا. رسالة تقول إن الصراع لم يعد فقط على الأرض أو الموارد، بل على المعنى… ومن يملك القدرة على تعريفه.

Commenti


bottom of page