top of page

القوقاز على مفترق التحالفات: روسيا وأرمينيا في اختبار النفوذ

  • 4 giorni fa
  • Tempo di lettura: 2 min


✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي



لم يعد التوتر بين روسيا وأرمينيا مجرد خلاف دبلوماسي يمكن احتواؤه بالتصريحات أو التفاهمات التقليدية، بل بات يعكس تحولًا أعمق في بنية النفوذ داخل القوقاز، حيث تتراجع مساحات الاستقرار السياسي وتُعاد صياغة التحالفات وفق منطق جديد أقرب إلى البراغماتية القاسية منه إلى الولاءات التاريخية.على مدى عقود، شكّلت أرمينيا إحدى أهم نقاط الارتكاز الروسية في جنوب القوقاز. قاعدة غيومري، والاعتماد الأمني، والارتباط الاقتصادي، كلها جعلت من موسكو الضامن الأساسي لبقاء يريفان في بيئة إقليمية معقدة. غير أن هذا التوازن بدأ يتصدع بشكل واضح بعد حرب ناغورنو كاراباخ، حين شعرت أرمينيا أن الغطاء الروسي لم يعد بالصلابة ذاتها، وأن لحظة الاختبار كشفت حدود الالتزام الروسي تجاه حلفائها.هذا التحول ترافق مع انفتاح أرميني متزايد على أوروبا والغرب، تُرجم سياسيًا عبر القمة الأوروبية في يريفان، التي استضافت قادة من الاتحاد الأوروبي ضمن إطار “المجموعة السياسية الأوروبية”. هذه القمة لم تكن مجرد حدث بروتوكولي، بل بدت في موسكو وكأنها إعلان سياسي عن إعادة تموضع أرميني خارج المدار الروسي التقليدي، ما اعتُبر تجاوزًا لحساسية جيوسياسية في واحدة من أكثر المناطق هشاشة.


الرد الروسي لم يتأخر، لكنه اتخذ طابعًا مركبًا بين الضغط السياسي والاقتصادي والتصعيد الخطابي. من استدعاء السفير، إلى التلويح بإعادة النظر في الامتيازات داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وصولًا إلى خطاب سياسي وإعلامي اتسم بحدة غير معتادة تجاه حكومة نيكول باشينيان، التي وُصفت بأنها تدفع البلاد نحو اصطفاف غربي خطير.في المقابل، تحاول يريفان تقديم هذا التحول بوصفه خيارًا سياديًا لتوسيع الهوامش السياسية والاقتصادية، لا كقطيعة مع روسيا. لكنها في الواقع تتحرك داخل مساحة ضيقة، حيث ما زالت البنية الاقتصادية والطاقة والحدود الأمنية مرتبطة بشكل كبير بالمجال الروسي.الأخطر في المشهد أن هذا التوتر لا يبقى محصورًا في العلاقة الثنائية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أوسع لمعادلات القوقاز، في ظل حضور تركي متزايد، وحذر إيراني محسوب، وتراجع نسبي في قدرة موسكو على فرض توازنات ما بعد الحقبة السوفيتية، خصوصًا في ظل انشغالها في جبهات أخرى.

هكذا يتحول القوقاز تدريجيًا إلى ساحة اختبار جديدة لمفهوم النفوذ نفسه: هل ما زالت التحالفات تُبنى على التاريخ؟ أم أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة دخلت طور تفكيك شامل حتى لأكثر العلاقات رسوخًا؟بين موسكو التي تتمسك بمنطق المجال الحيوي، ويريفان التي تبحث عن استقلالية أوسع، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة تعريف شاملة، عنوانها الأبرز: لا حلفاء دائمين… بل مصالح دائمة التبدل.

Commenti


bottom of page