المؤتمر الثامن لحركة فتح… بين ثبات الموقف وتجديد البنية التنظيمية
- 1 giorno fa
- Tempo di lettura: 3 min

كتب عصام الحلبي
لم تكن نتائج المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بقدر ما بدت محاولة لإعادة رسم ملامح المرحلة المقبلة سياسياً وتنظيمياً، في ظل واحدة من أكثر المراحل تعقيداً التي تمر بها القضية الفلسطينية، سواء على مستوى الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي أو على مستوى التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.فالبيان السياسي الصادر عن المؤتمر حمل لغة واضحة تعكس تمسك الحركة بخيارها الوطني التاريخي، القائم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف، ورفض كل أشكال الاستيطان ومحاولات فرض الوقائع بالقوة، إلى جانب التشديد على حق العودة بوصفه حقاً فردياً ووطنياً لا يسقط بالتقادم ولا يمكن الالتفاف عليه تحت أي صيغة سياسية.لكن ما بدا لافتاً في مضمون البيان هو التركيز الواضح على البعد السياسي والدبلوماسي، إلى جانب المقاومة الشعبية السلمية، باعتبارها أدوات أساسية في هذه المرحلة من مراحل النضال الفلسطيني. فالحركة أعادت التأكيد على أهمية التحرك باتجاه المجتمع الدولي، والعمل على تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية في محاولة لإبقاء القضية حاضرة في المحافل الدولية، وعدم السماح للاحتلال بتحويلها إلى قضية إنسانية أو معيشية منفصلة عن جوهرها السياسي والوطني.وفي الوقت نفسه، شدد المؤتمر على أهمية تفعيل المقاومة الشعبية السلمية في مواجهة الاحتلال والاستيطان والجدار وسياسات التهويد، باعتبارها شكلاً نضالياً قادراً على توسيع المشاركة الشعبية الفلسطينية، وإبقاء حالة الاشتباك الوطني مفتوحة مع الاحتلال بعيداً عن محاولات تكريس الأمر الواقع أو فرض الاستسلام السياسي على الشعب الفلسطيني.وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، حرص المؤتمر أيضاً على إعادة تثبيت العلاقة العربية الفلسطينية ضمن معادلة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، مقابل رفض أي تدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي. وهي رسالة تحمل أبعاداً سياسية واضحة، خصوصاً في ظل حالة الاستقطاب الإقليمي التي انعكست خلال السنوات الماضية على أكثر من ساحة فلسطينية.وفي الوقت نفسه، أعاد المؤتمر التأكيد على أن الشعب الفلسطيني جزء أصيل من الأمة العربية، وأن القضية الفلسطينية ستبقى قضية العرب المركزية مهما تبدلت الأولويات أو تعاظمت الأزمات في المنطقة. كما برز التشديد على الوصاية الهاشمية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، في إشارة إلى أهمية الدور الأردني في حماية الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة، في مواجهة محاولات التهويد والتغيير الديموغرافي والسياسي التي تمارسها سلطات الاحتلال.تنظيمياً، بدا المؤتمر وكأنه يسعى إلى إحداث توازن بين الخبرة التاريخية وتجديد الدم داخل الحركة. فحضور الشباب هذه المرة لم يكن شكلياً أو بروتوكولياً، بل ظهر بشكل واضح في حجم الترشح والتمثيل والفوز، سواء في المجلس الثوري أو في اللجنة المركزية،وهذا الأمر يعكس إدراكاً متزايداً داخل الحركة بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ضخ طاقات جديدة قادرة على مخاطبة الجيل الفلسطيني الشاب، وإعادة تفعيل الأطر التنظيمية والنقابية والشعبية التي تراجعت فعاليتها خلال السنوات الماضية.كذلك كان حضور الأسرى لافتاً، ليس فقط كرموز نضالية، بل كجزء فعلي من البنية القيادية والتنظيمية للحركة، في رسالة أرادت فتح من خلالها التأكيد أن قضية الأسرى ستبقى في قلب مشروعها الوطني، وأن من دفع سنوات عمره داخل سجون الاحتلال لا يمكن أن يكون بعيداً عن مواقع القرار الوطني والتنظيمي.أما المرأة الفلسطينية، فرغم ارتفاع حضورها السياسي والتنظيمي داخل المؤتمر، إلا أن نتائج الفوز لم تعكس بالكامل حجم دورها التاريخي داخل الحركة وفي مسيرة النضال الفلسطيني عموماً. ومع ذلك، فإن مجرد اتساع مساحة حضورها داخل النقاشات والأطر القيادية يعكس تحولاً تدريجياً في النظرة إلى دور المرأة كشريك كامل في القرار الوطني والتنظيمي، لا كحضور رمزي أو تكميلي.وفي قراءة أوسع، يمكن القول إن المؤتمر الثامن حاول الجمع بين أمرين متوازيين، الحفاظ على الثوابت السياسية التي قامت عليها الحركة منذ انطلاقتها، ومحاولة إعادة ترميم البنية التنظيمية بما يسمح لها باستعادة حضورها الشعبي ودورها القيادي في الشارع الفلسطيني.لكن التحدي الحقيقي لن يكون في البيانات أو الشعارات، بل في قدرة القيادة الجديدة والأطر المنتخبة على ترجمة هذه العناوين إلى فعل يومي داخل الحركة والشارع الفلسطيني، خصوصاً في ظل حالة الإحباط التي يعيشها جزء واسع من الشباب الفلسطيني، وتعقيدات المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي، واستمرار العدوان الإسرائيلي المفتوح على الأرض والإنسان والهوية.




Commenti