top of page

المسيحيون في الشرق… شركاء وطن لا ضيوف تاريخ

7 ore fa
Tempo di lettura: 2 min

✍🏻 وائل المولى – كاتب وصحافي


ليس الوجود المسيحي في الشرق الأوسط مجرد حكاية دينية تعود إلى قرون بعيدة، ولا إرثاً تاريخياً نستحضره في المناسبات، بل هو جزء أصيل من هوية المنطقة وتكوين مجتمعاتها ومسيرتها الحضارية. فمن هذه الأرض انطلقت رسالات كبرى، وتفاعلت الثقافات، وتجاورت التقاليد، وأسهم أبناؤها، مسيحيين ومسلمين، في بناء حضارة تركت أثرها في العالم.وفي بلاد الشام تحديداً، كان للمثقفين والمفكرين والصحافيين المسيحيين دور بارز في النهضة العربية الحديثة، من خلال الصحافة والطباعة والتعليم والترجمة والأدب، إلى جانب إسهامات واسعة لشركائهم من مختلف المكونات. ولم تكن تلك النهضة مشروع جماعة واحدة، بل ثمرة تفاعل فكري واجتماعي جعل من التنوع مصدراً للغنى والإبداع.لكن هذا الحضور يواجه اليوم تحديات متراكمة، بفعل الحروب والأزمات الاقتصادية والهجرة وتراجع فرص العمل، فضلاً عن مخاوف تتصل بالأمن والحرية والمستقبل. ولا تقتصر تداعيات هذه الظواهر على المسيحيين وحدهم، بل تطال المجتمعات بأكملها، حين تفقد كفاءاتها وطاقاتها، وتتراجع ثقة أبنائها بإمكانية بناء حياة كريمة في أوطانهم.


إن خطورة هذا التراجع لا تكمن في انخفاض الأعداد فحسب، بل في احتمال انكماش التعدد الثقافي والإنساني الذي ميّز المنطقة عبر تاريخها. فحين يغادر طبيب أو معلم أو مهندس أو كاتب وطنه، فإن الخسارة تتجاوز هويته الدينية إلى ما يمثله من معرفة وخبرة وعلاقات وقدرة على الإسهام في التنمية.من هنا، فإن الحفاظ على الوجود المسيحي لا ينبغي أن يُختزل في خطاب العاطفة أو الحنين إلى الماضي، بل يجب أن يتحول إلى مسؤولية وطنية ومشروع عملي. فالمطلوب دول تحمي مواطنيها بالقانون، وتضمن حرية المعتقد والعبادة، وتكافح التمييز والتحريض، وتوفر فرص العمل والمشاركة المتساوية في الحياة العامة.والمجتمع الذي يحترم أقلياته، ويصون كرامة المختلفين فيه، إنما يعزز مناعته في مواجهة التطرف والانغلاق؛ لأن التسامح الحقيقي ليس منّة من الأكثرية، بل تعبير عن نضج الدولة والمجتمع، وعن الإيمان بأن الحقوق لا تتجزأ، وأن المواطنة لا تتغير بتغير الدين أو المذهب.


إن أوطاننا اليوم بحاجة إلى جميع أبنائها، وإلى تحويل التنوع من مصدر قلق في الخطابات السياسية إلى مصدر قوة في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. فالمسيحيون ليسوا ضيوفاً في تاريخ الشرق، كما أن المسلمين ليسوا غرباء عن حضارته المشتركة؛ إنهم شركاء في ماضٍ صنعوه معاً، ومستقبل لا يمكن أن يستقيم بإقصاء أحد.فالأوطان لا تُقاس بقلة الاختلافات بين أبنائها، بل بقدرتها على جعل هذا الاختلاف مساحة للحرية والتكامل والمحبة. وحين يشعر كل إنسان أن وطنه يتسع له، يصبح بقاؤه فيه اختياراً مطمئناً، لا معركة يومية من أجل الأمان والكرامة.

Commenti


bottom of page