الموسيقى… هوية الشعوب وجسر الحضارات
- 3 ore fa
- Tempo di lettura: 2 min

✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية وتتعمق فيه الانقسامات الدولية، تبقى الموسيقى واحدة من أكثر اللغات الإنسانية قدرة على تجاوز الحدود وبناء مساحات مشتركة بين الشعوب. فهي ليست مجرد متعة سمعية أو فناً للترفيه، بل تعبير حي عن ذاكرة الأمم وهويتها الثقافية وروحها التاريخية.لكل بلد موسيقاه التي تشبهه. فالموسيقى الإيطالية تعكس عمق الإرث الأوروبي وروح النهضة والفنون التي صنعت مكانة إيطاليا الثقافية في العالم. والكورال الأرمني يحمل في طياته تاريخاً طويلاً من الصمود والروحانية والارتباط بالجذور الحضارية لآسيا. أما الموسيقى المصرية، فهي جزء أساسي من الوجدان العربي والإفريقي، وقد لعبت لعقود دوراً محورياً في تشكيل الذائقة الفنية في المنطقة.وفي المشرق العربي، تمتلك سوريا ولبنان أيضاً تراثاً موسيقياً غنياً يختصر تنوعهما الحضاري. فالموسيقى السورية، بما تحمله من مقامات وألوان تراثية وقدود وحضور صوفي، تعبر عن عمق تاريخ بلاد الشام وتفاعل حضاراتها عبر القرون. والموسيقى اللبنانية، التي مزجت بين التراث الشرقي والانفتاح على المدارس العالمية، أصبحت نموذجاً لقدرة الفن على الجمع بين الأصالة والتجديد.

إن اختلاف هذه التجارب الموسيقية لا يعني التباعد، بل يؤكد غنى التنوع الإنساني. فحين يستمع الإنسان إلى موسيقى بلد آخر، فإنه لا يسمع الألحان فقط، بل يقترب من تاريخ ذلك الشعب وعاداته وأحلامه وطريقته في رؤية العالم. ومن هنا تكتسب الموسيقى بعداً دبلوماسياً وثقافياً بالغ الأهمية، لأنها تفتح أبواب التعارف والتفاهم بعيداً عن لغة السياسة والصراع.لقد أدركت دول كثيرة أن القوة الناعمة تبدأ من الثقافة، وأن الموسيقى قادرة على خلق صورة إيجابية عن الشعوب أكثر مما تفعل الحملات الإعلامية والخطابات الرسمية. فالمهرجانات الفنية، والتبادل الموسيقي، وحضور الفنانين في المحافل الدولية، كلها أدوات تساهم في تعزيز الحوار بين الحضارات وترسيخ الاحترام المتبادل.وفي منطقة عانت طويلاً من الأزمات، تبدو الثقافة والموسيقى من أهم المساحات التي يمكن أن تجمع الناس حول قيم الجمال والإنسانية المشتركة. فالأغنية التي تولد في القاهرة، أو اللحن الذي يخرج من دمشق، أو المقطوعة التي تُعزف في بيروت، أو الكورال القادم من يريفان، أو الإرث الموسيقي الإيطالي، كلها تشكل أجزاء من لوحة إنسانية واحدة تؤكد أن الشعوب تستطيع أن تتواصل عبر الفن حتى عندما تختلف السياسات.إن الموسيقى، في جوهرها، ليست ترفاً ثقافياً، بل جسر حضاري دائم. وكلما ازداد التواصل الموسيقي بين الأمم، ازدادت فرص التقارب الإنساني، لأن الألحان الصادقة قادرة دائماً على الوصول إلى القلوب حيث تعجز الحدود والخلافات عن البقاء.




Commenti