top of page

من أسيزي إلى العالم.. «البيت العالمي للصداقة والأمل» ومساحة جديدة للحوار بين الأديان

7 ott
Tempo di lettura: 3 min

أسيزي – إيطاليا


في مدينة أسيزي، التي ارتبط اسمها منذ قرون بالقديس فرنسيس وبالسلام واللقاء بين الثقافات والأديان، تظهر تجربة جديدة تحاول أن تنقل الحوار بين الأديان من قاعات المؤتمرات والكتب إلى تجربة يعيشها الإنسان بنفسه.إنه «البيت العالمي للصداقة والأمل – Global House of Friendship and Hope»، الذي يقدم رحلة تفاعلية تجمع بين التاريخ والفن والتكنولوجيا والصلاة والتأمل، وتدعو الزائر إلى اكتشاف معنى الصداقة بين أتباع التقاليد الدينية المختلفة.وجاءت زيارة وفد من الصحافيين المعتمدين لدى الكرسي الرسولي إلى أسيزي في السابع من أكتوبر، في إطار جولة للتعرف إلى المشروع، بالتزامن مع إحياء الذكرى الثامنة لميلاد القديس فرنسيس، وما تحمله المدينة من إرث طويل في الدعوة إلى السلام والحوار.

أسيزي.. ذاكرة اللقاء

لم يكن اختيار أسيزي مصادفة. فالمدينة تحمل إرثًا جعلها واحدة من أبرز الرموز المرتبطة بالحوار بين الأديان، ومن أهم محطاته اللقاء التاريخي بين القديس فرنسيس والسلطان الملك الكامل، الذي أصبح عبر القرون رمزًا لإمكانية اللقاء بين المختلفين بحثًا عن السلام والتفاهم.وفي العصر الحديث، ارتبط اسم أسيزي أيضًا بيوم الصلاة العالمي من أجل السلام الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني عام 1986، ثم بسلسلة من اللقاءات التي جمعت ممثلي تقاليد دينية مختلفة.ومن هذا الإرث ينطلق «البيت العالمي» ليطرح سؤالًا معاصرًا: كيف يمكن أن نحول الاختلاف من مصدر للخوف إلى فرصة للتعارف والصداقة؟


من المعرفة إلى التجربة

لا يقدم المشروع نفسه كمتحف تقليدي، بل كرحلة تبدأ بالتعرف إلى تاريخ أسيزي، ثم تنتقل إلى مفهوم الصداقة بين الأديان، وصولًا إلى الصلاة والتأمل والتجربة الفنية الغامرة.وفي محطة «روح أسيزي» يستعاد إرث القديس فرنسيس ورؤيته للقاء الآخر، بينما تركز مساحة «صناعة الأصدقاء – Making Friends» على فكرة أن الحوار الحقيقي لا يقتصر على الحديث عن الأديان، وإنما يبدأ عندما نتعرف إلى الآخر ونستمع إليه ونفهم هويته ونبني معه علاقة تقوم على الثقة والاحترام.ويرتبط ذلك بـ «إعلان الصداقة بين الأديان»، الذي يدعو إلى تجاوز الخوف واللامبالاة والكراهية، وتعزيز قيم الاحترام والرحمة والتعاون والمسؤولية المتبادلة، مع الحفاظ على خصوصية كل تقليد ديني وهويته.

الصلاة.. لغة تتجاوز الحدود

من أبرز محطات الرحلة تجربة «صلوات في الرجاء – Prayers in Hope»، حيث يقترب الزائر من أصوات وصلوات وإيماءات تنتمي إلى تقاليد دينية متعددة.ثم تأتي محطة «القديسون وشهادة الصلاة»، التي تجمع أقوالًا وتأملات حول الصلاة من شخصيات روحية تنتمي إلى ستة تقاليد دينية، قبل الوصول إلى «حديقة القديسين»، وهي مساحة للصمت والتأمل والصلاة.

وهنا تصبح لحظة الصمت جزءًا من الحوار نفسه؛ فليس الحوار كلمات فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى مساحة للاستماع والتأمل.

«أداة سلامك».. حين يصبح الزائر جزءًا من العمل

تبلغ التجربة ذروتها في العمل الغامر «An Instrument of Your Peace – أداة سلامك» للفنان الإيطالي ماسيميليانو سيكاردي، حيث تمتزج الصور المتحركة بالموسيقى والأصوات والصلوات.ويستحضر العمل الصلاة الشهيرة المنسوبة إلى القديس فرنسيس: «يا رب، اجعلني أداة لسلامك»، إلى جانب نصوص وصلوات مرتبطة بتقاليد دينية مختلفة، من بينها المسيحية والإسلام واليهودية والهندوسية والبوذية والسيخية.وتحضر اللغة العربية داخل هذه التجربة من خلال «دعاء النور»، إلى جانب لغات أخرى، لتصبح التعددية اللغوية والدينية جزءًا أساسيًا من العمل.ولا تهدف التجربة إلى القول إن الأديان متطابقة، وإنما إلى إتاحة مساحة يكتشف فيها الزائر بنفسه ما يميز كل تقليد، وما يمكن أن يجمع البشر من قيم مثل السلام والرجاء والمحبة والرحمة.


من أسيزي إلى العالم العربي

يحمل المشروع أهمية خاصة بالنسبة إلى العالم العربي، ليس فقط بسبب حضور اللغة العربية والصلاة الإسلامية، وإنما أيضًا بسبب الذاكرة التاريخية للقاء القديس فرنسيس بالسلطان الملك الكامل.وبعد قرابة ثمانية قرون، يمكن لهذه الذكرى أن تتحول من حدث تاريخي إلى مصدر إلهام لعلاقات جديدة في الحاضر، تقوم على المعرفة والاحترام والحوار.كما يوسع المشروع مفهوم الصداقة ليشمل البيت المشترك، أي الأرض، انطلاقًا من فكرة أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، وأن التقاليد الدينية المختلفة تستطيع أن تلتقي حول قيم الرعاية والمسؤولية وخدمة الإنسان والطبيعة.

من الخوف إلى المعرفة.. ومن المعرفة إلى الصداقة

ربما تكمن الرسالة الأهم في «البيت العالمي» في هذا المسار البسيط والعميق:

من الخوف إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الفهم، ومن الفهم إلى الاحترام، ومن الاحترام إلى الصداقة، ومن الصداقة إلى التعاون، ومن التعاون إلى الأمل.فالصداقة هنا ليست مجرد وسيلة للوصول إلى السلام، بل قيمة في حد ذاتها. فعندما يصبح الآخر شخصًا نعرفه ونستمع إليه ونحترمه، يصبح من الصعب اختزاله في صورة نمطية أو حكم مسبق.ولهذا لا يتوقف المشروع عند التجربة الحالية، وإنما يتطلع إلى تطوير فضاء أوسع يجمع بين الروحانية والصلاة والتعليم والحوار بين الأديان.

«اجعلني أداة من أدوات سلامك»

في نهاية الرحلة، لا يخرج الزائر بمعلومة جديدة فقط، بل بسؤال شخصي:

ماذا يمكنني أن أفعل أنا من أجل السلام؟

فأن تكون أداة للسلام يعني أن تختار المعرفة بدلًا من الخوف، والاستماع بدلًا من الأحكام المسبقة، والتضامن بدلًا من اللامبالاة.

ومن أسيزي، مدينة الذاكرة والصلاة واللقاء، يطرح «البيت العالمي للصداقة والأمل» رؤية تتجاوز الحدود الدينية والثقافية: أن نتعلم معرفة الآخر، وأن نستمع إليه، وأن نحترم إيمانه وهويته، وربما أن نصبح أصدقاء له.فالسلام، قبل أن يكون اتفاقًا بين المؤسسات، يمكن أن يبدأ بعلاقة بين البشر.وربما تكون الصداقة واحدة من أكثر المساحات واقعية التي يمكن أن يبدأ فيها الأمل.

Commenti


bottom of page