من الجمهورية الأولى إلى اليوم: كراكسي في السياسة الخارجية
- 1 ora fa
- Tempo di lettura: 3 min

طلال خريس – باسكواله أماتو
بعيدًا عن ازدواجية الأحكام حول الرجل والسياسي Bettino Craxi، فإن أي تحليل موضوعي ودقيق يجب أن يأخذ في الاعتبار بعض جوانب السياسة الخارجية الإيطالية في ثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي سبقت إطلاق التحقيقات القضائية المعروفة باسم Mani Pulite، وما تلاها من فضيحة Tangentopoli التي أدّت إلى انهيار ما عُرف بـ«الجمهورية الأولى» في إيطاليا.في ذلك الوقت، كان كراكسي يشغل منصب رئيس الوزراء، وكان يدير في آنٍ واحد محاولة تموضع لإيطاليا كوسيط بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في ظل تصاعد الحرب الباردة خلال رئاسة Ronald Reagan. وفي الوقت نفسه، سعى إلى ترسيخ علاقة سلمية مع دول حوض المتوسط، وموازنة الصداقة مع إسرائيل مع اعتراف عادل بالقضية الفلسطينية.في مقابلة حديثة مع الصحفي جورجيو موتولا ضمن برنامج “Report” (3 تشرين الأول/أكتوبر 2025)، يتذكر Claudio Martelli أن كراكسي كاد يصل إلى حد الدفاع عن فلسطين في مواجهة إسرائيل، إذ كان يرى أن «إيطاليا ليست قوة عظمى، لكنها قوة إقليمية في البحر المتوسط، ولذلك يجب أن يكون لها صوت هنا، فهنا أرضها وحياتها، وعليها أن تسعى إلى علاقات سلمية مع جميع الشعوب التي تعيش في هذا الفضاء».ومن المعروف أيضًا الخطاب الذي ألقاه كراكسي في البرلمان الإيطالي في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1985 حول السياسة الخارجية. فعلى الرغم من إدانته للإرهاب الفلسطيني واعتباره غير عقلاني وغير مجدٍ، حاول فهم دوافعه، بل أشار إلى نوع من المشروعية السياسية المرتبطة بواقع الاحتلال الذي تمارسه إسرائيل، الأمر الذي أثار احتجاجات من بعض النواب، خصوصًا من الحزب الجمهوري الإيطالي.وانطلاقًا من هذا النهج، أطلق مبادرات للسلام، وعمل على تفعيل الدبلوماسية الإيطالية في البحر المتوسط. وفي مناسبات عديدة التقى بـ Yasser Arafat، زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، وهي شخصية مثيرة للجدل لكنها أصبحت آنذاك رمزًا للقضية الفلسطينية.كما واصل الخط السياسي الذي كان قد بدأه Aldo Moro، الذي كان من أوائل القادة الأوروبيين الذين اعترفوا بمنظمة التحرير الفلسطينية كمحاور دولي شرعي، محافظًا على حوار دائم مع عرفات، ومعترفًا بالمنظمة كمرجعية أساسية في القضية الفلسطينية.ومن اللافت أيضًا استحضار تصريح لـ Giulio Andreotti، الذي قال بصفته عضوًا في مجلس الشيوخ الإيطالي مدى الحياة، في 18 تموز/يوليو 2006 خلال حرب لبنان:«أعتقد أن كل واحد منا، لو وُلد في مخيم اعتقال ولم يكن لديه منذ خمسين عامًا أي أفق يقدمه لأبنائه، لكان إرهابيًا. […] دولة إسرائيل موجودة، أما الدولة العربية فلا».كما لا يمكن إغفال الحادثة الشهيرة التي وقعت في تشرين الأول/أكتوبر 1985 والمعروفة باسم أزمة سيغونيلا، والتي تُعد صفحةبارزة في تاريخ السياسة الخارجية الإيطالية. ففي تلك الأزمة وقف كراكسي في مواجهة مباشرة مع إدارة Ronald Reagan، ورفض تسليم خاطفي السفينة الإيطالية Achille Lauro إلى الولايات المتحدة، متمسكًا بسيادة القضاء الإيطالي وحق إيطاليا في محاكمة المسؤولين عن الجريمة التي ارتُكبت على متن السفينة.هذه الوقائع تعيد رسم ملامح مرحلة لم تكن بعيدة زمنيًا، حاولت فيها إيطاليا أن تلعب دورًا نشطًا في العلاقات الدولية، وأن تقدم مساهمة بناءة في الحوار بين دول البحر المتوسط.ويشير الكاتب فيليبو سكونزا في مقال له بعنوان «عندما كانت إيطاليا في الجمهورية الأولى تدعم الفلسطينيين» إلى أن إيطاليا خلال سنوات الحرب الباردة عملت بجد للحفاظ على الحوار مع العالم العربي، سواء لأسباب استراتيجية أو اقتصادية. ففي إطار ما يُعرف بالـ«واقعية السياسية»، نجحت إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية في نسج شبكة علاقات مهمة مع دول المتوسط، مثل تونس بقيادة Habib Bourguiba، وليبيا بقيادة Muammar Gaddafi، ومصر بقيادة Anwar Sadat، إضافة إلى الأردن بقيادة Hussein of Jordan، والعراق بقيادة Ahmed Hassan al-Bakr ثم Saddam Hussein.ولعبت قضية الطاقة دورًا مهمًا في هذا التوجه، إذ سعت شركة ENI بقيادة Enrico Mattei إلى فتح مجالات نفوذ جديدة في العالم العربي مستفيدة من المزاج المناهض للاستعمار في تلك الدول.في المقابل، يبدو الصمت الإيطالي اليوم تجاه الانتهاكات الواضحة للقانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان أمرًا يصعب فهمه. ويتجلى ذلك سواء في ما يتعلق بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة خلال الحرب بين إسرائيل وحركة حماس التي اندلعت عام 2023، والتي أثارت نقاشًا عالميًا واسعًا حول توصيفها كإبادة جماعية، أو في ما يتعلق بالتدخلات الأميركية في شؤون فنزويلا سابقًا وإيران لاحقًا.ويبدو أن الحرص غير المشروط على تجنب أي موقف نقدي واضح تجاه الحليفين Donald Trump وBenjamin Netanyahu بات موقفًا يصعب قبوله، خصوصًا إذا استُحضر الدور الذي لعبته إيطاليا سابقًا كوسيط أساسي بين الغرب ومنظمة التحرير الفلسطينية.فقد كان Yasser Arafat يعوّل على إيطاليا للحصول على دعم أوروبا للقضية الفلسطينية، ولا سيما للاعتراف بدولة فلسطينية يعيش فيها الشعب العربي بسلام.ويزداد هذا التناقض وضوحًا إذا تذكرنا أن إيطاليا كانت من بين الدول التي ساهمت، إلى جانب جهود الرئيس الفرنسي Valéry Giscard d’Estaing، في دفع الجماعة الاقتصادية الأوروبية عام 1980 إلى إعلان موقف رسمي يعترف «بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني» في ما عُرف بـ إعلان البندقية 1980، وهو الإعلان الذي طرح لأول مرة بصورة واضحة مبدأ «شعبين ودولتين».ولو طُبقت اليوم المعايير السياسية السائدة، فمن المرجح أن شخصيات مثل Bettino Craxi وGiulio Andreotti كانت ستُتهم فورًا بمعاداة السامية بسبب مواقفهما الداعمة لحقوق الفلسطينيين.ومن هنا يبرز السؤال الذي يطرحه الكاتب سكونزا:
ما الذي تغيّر في السياسة الخارجية الإيطالية خلال الثلاثين عامًا الماضية مقارنة بما كان عليه الحال في زمن الجمهورية الأولى؟



Commenti