هل يقترب الفلسطينيون من لحظة الانفجار؟
- 3 ore fa
- Tempo di lettura: 3 min

كتب عصام الحلبي
لا يحتاج الفلسطيني اليوم إلى كثير من الشرح والتفسير ليدرك حجم الأزمات التي تحيط به أينما كان، في الضفة الغربية والقدس المحتلة، أو في قطاع غزة، أو في مخيمات اللجوء والشتات، أو حتى داخل الأراضي المحتلة عام 1948، يشعر بأن الضغوط تتزايد وأن المستقبل يزداد غموضاً.في الضفة الغربية والقدس المحتلة، حيث يتواصل التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة، وتتواصل مصادرة الأراضي وفرض الوقائع الجديدة على الأرض، فيما تتراجع فرص الوصول إلى حل سياسي ينهي الاحتلال ويضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وحصوله على تقرير مصيره وقيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس. وفي الوقت نفسه تتفاقم الأزمات الاقتصادية نتيجة القيود الإسرائيلية وتراجع النشاط الاقتصادي واستمرار احتجاز أموال المقاصة التي تحولت إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي يستخدمها كيان الإحتلال إسرائيلي متى أراد.ولم تعد أزمة المقاصة مجرد مشكلة مالية تتعلق برواتب الموظفين أو بقدرة السلطة الفلسطينية على الإيفاء بالتزاماتها، بل أصبحت جزءاً من سياسة تهدف إلى إبقاء الاقتصاد الفلسطيني في حالة ضعف دائم، وإبقاء السلطة الفلسطينية تحت ضغط مستمر، في ظل غياب أي أفق سياسي حقيقي يمكن أن يفتح الباب أمام تغيير هذا الواقع المعقد.لكن الصورة الفلسطينية لا تقتصر على ما يجري داخل الوطن الفلسطيني المحتل، ففي مخيمات اللجوء والشتات يعيش ملايين الفلسطينيين ظروفاً صعبة تزداد تعقيداً عاماً بعد عام. فالأزمات الاقتصادية تضرب البلدان المضيفة، وفرص العمل تتراجع، والخدمات الأساسية تتقلص فيما يواجه اللاجئون تحديات متزايدة تمس حياتهم اليومية وحقوقهم الإنسانية.ويشعر كثير من اللاجئين الفلسطينيين اليوم بأنهم يدفعون ثمن أزمات لا علاقة لهم بها، فيما تتراجع الأولوية السياسية لقضيتهم على الساحة الدولية. وهذا ما يخلق حالة متنامية من القلق على المستقبل، ليس فقط على المستوى المعيشي، بل أيضاً على مستوى القضية الوطنية وحق العودة الذي يشكل جوهر الهوية الفلسطينية في الشتات.ولا تختلف الصورة كثيراً لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948، فهؤلاء الذين تمسكوا بأرضهم وهويتهم الوطنية رغم كل ما تعرضوا له منذ النكبة عام ١٩٤٨، يواجهون اليوم تحديات متزايدة في ظل سياسات التمييز والعنصرية والتضييق الاقتصادي والاجتماعي. ورغم محاولات الأسرلة وطمس الهوية الوطنية، ما زال الفلسطينيون هناك يخوضون معركة يومية للحفاظ على انتمائهم الوطني وحقوقهم الجماعية في مواجهة سياسات تستهدف وجودهم السياسي والثقافي ودورهم الوطني.المشكلة أن هذه الملفات لا تتحرك بشكل منفصل عن بعضها البعض. فالاستيطان يتوسع، والأزمات الاقتصادية تتفاقم، وأموال المقاصة تُحتجز، وأوضاع اللاجئين تزداد صعوبة، فيما تبدو وبشكل جلي ان العملية السياسية وصلت إلى طريق مسدود. أما الحديث عن السلام وحل الدولتين الذي شكل لعقود طويلة أساس الجهود السياسية الدولية، فيبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى.وعندما تجتمع هذه العوامل كلها في وقت واحد، يصبح من الطبيعي أن ترتفع مستويات الإحباط والقلق لدى الفلسطينيين. فالشعوب تستطيع أن تتحمل الأزمات عندما ترى أملاً في نهاية الطريق، لكنها تجد صعوبة أكبر عندما تشعر أن الأفق مغلق وأن المستقبل يزداد ضبابية.والأخطر أن حالة الإحباط لم تعد تقتصر على جيل عاش النكبة أو النكسة، بل امتدت إلى أجيال شابة ولدت في ظل الانسداد السياسي، ولم تعرف سوى الأزمات الاقتصادية والتوترات الأمنية وتراجع فرص الحل. وهذه الأجيال تنظر اليوم إلى المستقبل بكثير من القلق والأسئلة المفتوحة.لا أحد يستطيع أن يتنبأ متى يمكن أن تصل الأوضاع إلى نقطة الانفجار، لكن المؤكد أن استمرار الواقع الحالي يحمل في طياته مخاطر جدية على الاستقرار. فاليأس المتراكم، وتراجع الثقة بالحلول السياسية، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل لا يمكن تجاهل آثارها على أي مجتمع.فالقضية اليوم لم تعد تتعلق فقط برواتب أو مقاصة أو فرص عمل، بل باتت تمس شعور الفلسطينيين بمستقبلهم الوطني، وبقدرتهم على الحفاظ على هويتهم وحقوقهم في مواجهة واقع يزداد صعوبة يوماً بعد يوم.ولهذا فإن المطلوب لم يعد مجرد إدارة للأزمات أو البحث عن حلول مؤقتة، بل رؤية سياسية قادرة على إعادة الأمل للناس، وحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، سواء في الوطن أو في مخيمات اللجوء والشتات.أما استمرار الأمور على حالها، مع اتساع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة، واستمرار الضغوط الاقتصادية، وتراجع آفاق الحل السياسي، وتفاقم معاناة اللاجئين، فلن يؤدي للاستقرار، بل لمزيد من القلق والاحتقان، لأن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد بلا أمل.




Commenti