top of page

الجزائر على موعد مع التاريخ… الفاتيكان يعيد رسم خرائط الحوار من ضفاف المتوسط

  • 2 giorni fa
  • Tempo di lettura: 2 min


✍️ طلال خريس


منذ توليه الكرسي الرسولي، بدا البابا ليون الرابع عشر وكأنه يدرك أن العالم لم يعد يحتمل مزيدًا من الصدامات، وأن الأديان بدل أن تكون جزءًا من المشكلة قادرة على أن تكون مفتاحًا للحل. لذلك، لم يكن تحركه الدبلوماسي والديني تقليديًا، بل جاء ضمن رؤية واسعة تُعيد تموضع الفاتيكان كقوة ناعمة في قلب التحولات الدولية، وكمنصة عالمية للحوار بين الحضارات، خصوصًا في الشرق الأوسط.

هذا التركيز على الشرق ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس وعيًا عميقًا بثقل هذه المنطقة، التي لا تختزن فقط الصراعات، بل أيضًا الإرث الروحي والرمزي للأديان التوحيدية. ومن هنا، تحوّل الفاتيكان تدريجيًا إلى واحدة من أهم الواحات الثقافية والفكرية التي تسعى إلى بناء جسور التفاهم، في زمن تتسع فيه الهوة بين الشعوب.في هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة للبابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، بين 13 و15 أبريل 2026، أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها الأولى من نوعها لبابا إلى هذا البلد، بل لأنها تحمل في طياتها رسائل متعددة الأبعاد، دينية وسياسية وثقافية.الزيارة ستبدأ من العاصمة الجزائر، حيث سيلتقي البابا بالرئيس عبد المجيد تبون، في محطة تعكس البعد الرسمي والدبلوماسي للزيارة، قبل أن ينتقل إلى بعدها الروحي من خلال ترؤسه قداسًا في كنيسة نوتردام الإفريقية، أحد أبرز المعالم الكاثوليكية في البلاد، ولقائه بأفراد الجالية المسيحية.لكن رمزية الزيارة لا تقف عند هذا الحد، إذ سيقوم البابا بزيارة الموقع التذكاري للرهبان السبعة في تيبحيرين، الذين اغتيلوا خلال سنوات العنف في تسعينيات القرن الماضي، في خطوة تعيد التذكير بآلام الماضي، ولكن أيضًا بإمكانية تحويل الذاكرة إلى مساحة للمصالحة بدل أن تبقى جرحًا مفتوحًا.أما المحطة الأبرز، فستكون في مدينة عنابة، حيث سيزور كنيسة القديس أوغسطين، المرتبطة بأحد أعظم أعلام الفكر المسيحي، أوغسطينوس الهيبوني، الذي وُلد في أرض الجزائر وترك أثرًا فكريًا عابرًا للقرون. هذه الزيارة ليست مجرد وقفة تاريخية، بل هي استعادة لرمزية الجزائر كجسر حضاري بين ضفتي المتوسط.الرسائل التي تحملها هذه الزيارة تتجاوز حدود البروتوكول. فهي تعكس توجهًا واضحًا لدى الفاتيكان لتعميق الحوار مع العالم الإسلامي، ليس من موقع التبشير أو الهيمنة، بل من منطلق الشراكة الإنسانية. وقد عبّر البابا نفسه عن هذا التوجه عندما أعلن، في كانون الأول/ديسمبر 2025، رغبته في زيارة الجزائر لمواصلة بناء الجسور بين المسيحية والإسلام.كما أن الاستعدادات الرسمية التي ترأسها الرئيس تبون تعكس إدراك الدولة الجزائرية لأهمية الحدث، ليس فقط على المستوى الديني، بل أيضًا كفرصة لتعزيز صورة الجزائر كفضاء للتعايش والانفتاح.في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. ففي زمن الحروب والانقسامات، يحاول الفاتيكان أن يقدم نموذجًا مختلفًا، يقوم على الحوار بدل الصراع، وعلى التعارف بدل الإقصاء.وهنا، تبدو الجزائر بثقلها التاريخي والديني مسرحًا مثاليًا لهذه الرسالة. زيارة قد لا تغيّر موازين القوى، لكنها بالتأكيد تساهم في إعادة تعريف الأولويات من منطق المواجهة إلى منطق اللقاء، ومن صخب السياسة إلى حكمة الروح.

Commenti


bottom of page