الحكواتي السوري… حين كانت الحكاية تصنع ذاكرة الناس
- 1 giorno fa
- Tempo di lettura: 1 min

✍🏻 وائل المولى – كاتب وصحافي
في مقاهي دمشق القديمة، وعلى مدى عقود طويلة كان هناك رجل ينتظره الناس كل مساء. يجلس في صدر المقهى، يحيط به الصمت، ثم يبدأ الكلام كان ذلك الرجل هو الحكواتي .يجلس الحكواتي مرتدياً ملابسه التقليدية، وأحياناً ممسكاً بسيف أو عصا، ويبدأ رواية تمتد من ليلة إلى أخرى. ويبدأ رحلته مساءً أمام جمهور يأتي لا ليستمع فقط، بل ليعيش الحكاية بصوته وحركاته وتغيير نبرته كان يحول المقهى إلى مسرح، والجمهور إلى جزء من العرض، والكلمات إلى صور تتحرك في الخيال ترسم المدن والقلاع والمعارك والفرسان.ولذلك كان على الحكواتي أن يعرف متى يرفع صوته، عندما يشتد الصراع ومتى يصمت، عند لحظات الحب أو الخوف ومتى يغير نبرته عندما ينتقل من شخصية إلى أخرى ومتى يترك القصة معلقة عند أكثر لحظاتها إثارة، حتى يعود الناس في اليوم التالي لمعرفة ما حدث.كانت حكاياته عن شخصيات تاريخية مثل عنترة والزير سالم وسيف بن ذي يزن والظاهر بيبرس وغيرها من السير الشعبية، تمتد أحياناً لليالي طويلة .

لكن الحكواتي لم يكن مجرد فنان شعبي كان، في زمن غابت فيه وسائل الإعلام حارساً للذاكرة الجماعية. عبره انتقلت القصص والقيم والصور الشعبية من جيل إلى آخر. ومن خلال الحكاية، تعلّم الناس معاني الشجاعة والوفاء والحب والعدالة والخيانة والانتصار والهزيمة.ولذلك يمكن النظر إليه باعتباره أحد أقدم أشكال الإعلام الشعبي والسرد الجماهيري في المجتمع السوري . اليوم، يعيش العالم عصر الصورة السريعة والفيديو القصير والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تبدو الحاجة إلى الحكاية أكبر من أي وقت مضى فالأوطان لا تعيش بالآثار وحدها.الأوطان تعيش أيضاً بالحكايات التي يرويها أبناؤها عن أنفسهم. ففي النهاية، قد تتغير الدول والحدود والأنظمة، لكن الشعوب التي تحفظ حكاياتها تستطيع أن تحفظ شيئاً أعمق (ذاكرتها، وهويتها، وصورتها في العالم.)




Commenti