المسرح والسينما في سورية… ذاكرة وطن وقوة ناعمة
- 2 ore fa
- Tempo di lettura: 2 min

✍🏻 وائل المولى – كاتب وصحافي
حين نقرأ تاريخ الثقافة السورية، نكتشف أن المسرح والسينما لم يكونا هامشاً في حياة السوريين، بل شكّلا، منذ أكثر من قرن، إحدى أهم المساحات التي عبّر فيها المجتمع عن نفسه، وناقش تحوّلاته، وصنع صورته أمام العالم.تبدأ الحكاية المسرحية الحديثة من دمشق في القرن التاسع عشر مع أبو خليل القباني، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد رواد المسرح العربي الحديث. جمع القباني بين التمثيل والغناء والموسيقى والحكاية، وحاول أن يمنح الجمهور السوري شكلاً جديداً من الحالة الثقافية. ورغم الصعوبات التي واجهها، بقيت تجربته نقطة تأسيسية في تاريخ المسرح العربي.خلال النصف الأول من القرن العشرين، توسعت الحركة المسرحية، وظهرت الفرق والنوادي والمسارح، خصوصاً في دمشق وحلب. ومع استقلال الدولة السورية ، بدأت الثقافة تأخذ بعداً مؤسساتياً، وأصبح المسرح جزءاً من الحياة التعليمية والثقافية والفنية.ثم جاء جيل جديد نقل المسرح السوري إلى مرحلة أكثر عمقاً. كان سعد الله ونوس أحد أبرز رموزه، إلى جانب فواز الساجر ورفيق الصبان وأسعد فضة، فتحول المسرح إلى مساحة للأسئلة السياسية والاجتماعية والفكرية، وأصبح النص المسرحي السوري حاضراً في المشهد العربي.

أما السينما، فقد دخلت سورية مبكراً عبر صالات العرض التي انتشرت في المدن، قبل أن يبدأ الإنتاج المحلي بالتشكل تدريجياً. وفي عام 1963 تأسست المؤسسة العامة للسينما، لتصبح لاحقاً مؤسسة محورية في دعم صناعة الفيلم السوري.ومنذ السبعينيات، بدأت السينما السورية تكتسب حضوراً عربياً ودولياً، خصوصاً مع مخرجين مثل محمد ملص، عمر أميرالاي، نبيل المالح، أسامة محمد وعبد اللطيف عبد الحميد. أفلام مثل أحلام المدينة والليل والفهد وغيرها قدمت السينما بوصفها أداة للذاكرة والنقد وقراءة المجتمع، وليس مجرد صناعة للترفيه.وفي الوقت نفسه، كان التلفزيون يصنع ظاهرة سورية مختلفة. فقد تحولت الدراما السورية، خصوصاً منذ الثمانينيات والتسعينيات، إلى واحدة من أبرز الصناعات الثقافية العربية، ونجحت في الوصول إلى ملايين المشاهدين من المحيط إلى الخليج. أعمال تاريخية واجتماعية وكوميدية وبدوية، إلى جانب الدراما الدمشقية، صنعت حضوراً سورياً واسعاً في الوجدان العربي.

بعد عام 2011، تغير المشهد بصورة جذرية. دخلت الحرب والتهجير واللجوء والذاكرة إلى صلب الإنتاج السينمائي والمسرحي، وانتقل جزء من الفنانين السوريين إلى العمل خارج البلاد، فظهرت سينما سورية في المنفى، وأفلام وثائقية وروائية تناولت التجربة السورية من زوايا متعددة.ومع ذلك، بقي السؤال الأهم مفتوحاً: هل تستطيع سورية أن تحول هذا الإرث الطويل إلى مشروع ثقافي جديد؟إن إعادة بناء السينما والمسرح لا تعني ترميم المسارح وصالات العرض فقط، بل تعني إعادة بناء صناعة كاملة في التعليم، والإنتاج، والتمويل، والمهرجانات، والتوزيع، وحماية حقوق الفنانين، وفتح المجال أمام القطاع الخاص.فالمسرح والسينما في سورية ليسا مجرد ذاكرة فنية. إنهما جزء من القوة الناعمة السورية، ومن قدرة سورية على أن تروي قصتها بنفسها، وأن تستعيد حضورها الثقافي في العالم.وإذا كانت سورية قد بدأت قصتها على خشبة المسرح مع القباني، ووسعتها عبر السينما والتلفزيون، فإن التحدي اليوم هو أن تكتب فصلاً جديداً من هذه القصة؛ فصلاً يجعل من الثقافة أحد أدوات بناء سورية المستقبل.



Commenti