top of page

مصر… من قناة السويس إلى منصة اقتصادية تربط الصين بأوروبا وأفريقيا

  • 2 ore fa
  • Tempo di lettura: 2 min


🔺محمود رمضان

ممثل جمعية الصداقة الايطالية - العربية في لبنان


في عالم يتغير بسرعة، لم يعد النمو الاقتصادي مجرد أرقام ومؤشرات، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدول، وأداة أساسية لحماية المصالح وتعزيز القدرة على التأثير في النظام الدولي.ومن هذه الزاوية تبدو مصر أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعها الاقتصادي. فالقاهرة لا تملك موقعاً جغرافياً استثنائياً فحسب، بل تجمع بين قناة السويس، والسوق المحلية الكبيرة، والموارد البشرية، والموانئ، وشبكات النقل، وإمكانية الوصول إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.لكن امتلاك قناة السويس وحده لا يكفي.القيمة الاستراتيجية الحقيقية تبدأ عندما تتحول القناة من مجرد ممر تعبره التجارة العالمية إلى منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين الموانئ والخدمات اللوجستية والصناعة والطاقة والتكنولوجيا والتصدير.



وهنا تبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى أهم الأدوات المصرية لتحقيق هذا التحول، خصوصاً مع تزايد الاستثمارات الصناعية الأجنبية في قطاعات مثل المنسوجات والإلكترونيات والإطارات والطاقة الشمسية والصناعات المرتبطة بالنقل والطاقة. وقد شهدت السنوات الأخيرة دخول استثمارات صينية جديدة إلى هذه المناطق، بما يعكس انتقال التعاون من التجارة إلى الإنتاج والتصنيع. وتكتسب الشراكة المصرية الصينية أهمية خاصة في هذا السياق.فالصين تمثل قوة صناعية وتكنولوجية واستثمارية ضخمة، بينما تستطيع مصر أن توفر موقعاً قريباً من الأسواق الأوروبية والأفريقية والعربية، إضافة إلى البنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية وشبكات التجارة.وهنا تكمن إحدى أهم الفرص المصرية: أن تصبح المصانع التي تأتي برأس المال والخبرة من آسيا جزءاً من قاعدة إنتاج مصرية موجهة إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، لا مجرد مشاريع تخدم السوق المحلية.لكن القاهرة، في المقابل، لا تريد أن تجعل انفتاحها الاقتصادي مرتبطاً باتجاه واحد.فأوروبا تمثل شريكاً استراتيجياً لا يقل أهمية، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي، وإنما أيضاً بسبب حجم التجارة والاستثمار وتشابك سلاسل الإنتاج. وقد ارتقت العلاقات المصرية الأوروبية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشاملة، مع حزمة مالية واستثمارية أوروبية تبلغ 7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027. كما أن الاتحاد الأوروبي كان أكبر شريك تجاري لمصر في تجارة السلع خلال عام 2024.وبذلك تستطيع مصر بناء معادلة أكثر تعقيداً من مجرد المفاضلة بين الشرق والغرب:



رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصناعية من شركاء متعددين، والأسواق الأوروبية والأفريقية والعربية، والموقع الجغرافي والموانئ والبنية التحتية والموارد البشرية من مصر.هذه ليست معادلة اقتصادية فقط، بل يمكن أن تتحول إلى استراتيجية وطنية طويلة المدى.فكل مصنع جديد لا ينبغي النظر إليه باعتباره استثماراً أجنبياً فحسب، بل باعتباره حلقة محتملة في سلسلة إنتاج مصرية: يوفر فرص العمل، وينقل المعرفة، ويزيد المكون المحلي، ويدعم الصادرات، ويربط الشركات المصرية بسلاسل القيمة العالمية.وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي.فنجاح مصر لن يقاس بعدد الاستثمارات التي تدخل البلاد فقط، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى قيمة مضافة محلية، وزيادة الصادرات، وتطوير المهارات، ونقل التكنولوجيا، وتعميق التصنيع، وتنويع مصادر النقد الأجنبي.إن المنافسة العالمية على الاستثمار لم تعد تدور حول من يملك المال فقط، بل حول من يملك الموقع والأسواق والطاقة والعمالة والبنية التحتية والقدرة على الربط بين سلاسل الإنتاج.ومصر تمتلك مجموعة نادرة من هذه العناصر في مكان واحد.لذلك فإن الرهان المصري الحقيقي ليس على الصين وحدها، ولا على أوروبا وحدها، بل على قدرة مصر نفسها على إدارة هذا التوازن وتحويله إلى قوة اقتصادية وطنية.فإذا نجحت القاهرة في الجمع بين الاستثمارات الآسيوية، والشراكات الأوروبية، والأسواق الأفريقية والعربية، وموقع قناة السويس، يمكن أن تنتقل من مجرد دولة تقع على طريق التجارة العالمية إلى دولة تصنع جزءاً من هذه التجارة.وعندها لن تكون قناة السويس مجرد طريق يمر عبر مصر، بل قد تصبح مصر نفسها منصة إنتاج وتصدير ولوجستيات تربط الشرق بالغرب، وآسيا بأوروبا، وأفريقيا بالعالم.

Commenti


bottom of page