رغدة حسن وعامر داود… سيرة السجن التي تحولت إلى أدب ولوحة ومنفى طويل
- 5 lug
- Tempo di lettura: 4 min

تحقيق صحفي اعداد عصام الحلبي
في أحد مستشفيات فرنسا توقفت حياة رغدة حسن في آذار 2021، لم يكن الخبر مجرد إعلان وفاة كاتبة سورية معارضة، بل بدا وكأنه إغلاق مؤجل لحكاية بدأت في زنازين بعيدة، ثم تمددت عبر روايات وذاكرة اعتقال ومنفى طويل قبل أن تستقر أخيراً في جسد أنهكه المرض.لكن خلف هذا الرحيل كانت هناك حياة أخرى لا تنفصل عنها، حياة الفنان التشكيلي الفلسطيني عامر داود الذي عاش معها تفاصيل السجن ثم المنفى، وشاركها بناء عائلة صغيرة بين سوريا و أوروبا، حيث نشأ أربعة أبناء بين لغات متعددة وذاكرة مثقلة بسوريا وفلسطين في آن.لم تكن القصة قصة شخصين فقط، بل مسار جيل كامل عاش بين القمع واللجوء، وحاول أن يحول التجربة إلى كتابة ولوحة وحياة ممكنة في المنفى.
من جبلة إلى السجن… البدايات الأولى
ولدت رغدة حسن في مدينة جبلة السورية في بيئة بسيطة، لكنها نشأت في زمن كانت السياسة فيه جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. منذ وقت مبكر ظهر ميولها إلى الكتابة والرسم والتفكير النقدي قبل أن تتجه لاحقاً إلى العمل السياسي المعارض.في أواخر الثمانينيات انخرطت في صفوف حزب العمل الشيوعي السوري في مرحلة كانت فيها البلاد تعيش واحدة من أكثر فتراتها السياسية والأمنية حساسية. لم يكن خيارها السياسي مجرد موقف عابر، بل بداية مسار سيقودها إلى الاعتقال، حيث ستقضي سنوات طويلة من حياتها خلف القضبان.
السجن… المكان الذي أعاد تشكيل الحياة
لم يكن الاعتقال محطة عابرة في سيرة رغدة حسن، بل لحظة تحول كاملة. داخل الزنازين لم يعد الزمن يقاس بالساعات، بل بالانتظار وبالأسماء التي تُنادى ثم تختفي، وبالذاكرة التي تحاول أن تبقى حية رغم كل شيء.هناك بدأت تتشكل ملامح الكاتبة التي ستظهر لاحقاً في الأدب السوري. لم تكن تكتب من خيال بل من تجربة معاشة، من وجوه نساء اعتُقلن معها، ومن تفاصيل صغيرة صنعت عالم السجن كما هو بلا تجميل أو خطاب.في تلك المرحلة تعرّفت إلى المعتقل الفلسطيني عامر داود، لم يكن اللقاء عاطفياً في بدايته، بل كان لقاء بين تجربتين متشابهتين، سجينان يحملان خلفهما فلسطين وسوريا، ويعيشان واقعاً واحداً من العزلة والقمع.
من الزنزانة إلى المنفى… بداية حياة جديدة
بعد الإفراج عنهما لم تنته الحكاية، بل بدأت بشكل مختلف. خرجت رغدة حسن من السجن وهي تحمل ذاكرة كاملة لا يمكن فصلها عن الكتابة، ومع مرور الوقت تحولت التجربة إلى مشروع أدبي قائم على الشهادة الإنسانية أكثر من السرد الخيالي.لكن الواقع السياسي لم يمنح مساحة واسعة للاستقرار. ومع تصاعد الأحداث في سوريا بعد 2011 غادرت مع عائلتها إلى المنفى في لبنان بداية ثم الى فرنسا لتبدأ مرحلة جديدة في فرنسا حيث استقرّت مع زوجها وأبنائها الأربعة.
الرواية بوصفها ذاكرة… لا خيالاً
لم تكن رغدة حسن روائية تقليدية، كتاباتها كانت امتداداً مباشراً للتجربة، أقرب إلى شهادة طويلة عن السجن والمنفى والإنسان.في روايتها نجمة الصبح تستعيد طفولتها وتحولاتها السياسية وتجربة الاعتقال، لكن دون أن تقع في فخ السيرة الذاتية المباشرة. النص يتحرك بين الذاكرة والواقع، بين الفردي والجماعي، وكأنها تكتب عن نفسها وعن جيل كامل في الوقت نفسه.أما رواية الأنبياء الجدد فجاءت أكثر حدّة في مقاربة واقع السجون السورية، حيث يتحول الخوف إلى نظام حياة والصمت إلى لغة يومية. لم تكن الرواية مجرد عمل أدبي، بل شهادة على مرحلة كاملة دفعتها لاحقاً إلى مواجهة جديدة مع السلطة.
الرسم… اللغة الثانية للنجاة
إلى جانب الكتابة مارست رغدة حسن الفن التشكيلي، ليس كترف جمالي بل كامتداد طبيعي للذاكرة.لوحاتها كانت تعكس نفس العالم الذي كتبته، وجوه متعبة، فضاءات مغلقة، ألوان تميل إلى الرمادي والترابي، وكأنها تحاول تثبيت ما لا يمكن قوله بالكلمات.في المنفى الفرنسي لم ينفصل الرسم عن الكتابة، بل أصبحا معاً وسيلتين لحفظ الذاكرة من التلاشي.
عامر داود… الفنان الذي حمل فلسطين إلى اللوحة
يقف إلى جانب هذه السيرة اسم الفنان التشكيلي الفلسطيني عامر داود الذي عاش بدوره تجربة الاعتقال قبل أن يستقر في فرنسا.درس الفنون الجميلة وانخرط في العمل المرتبط بالقضية الفلسطينية، قبل أن يجد نفسه داخل السجون السورية. هناك كما في حالة رغدة لم يغادر الفن حياته، بل بقي حاضراً كفكرة داخلية.بعد خروجه انتقل إلى المنفى حيث واصل مسيرته الفنية في أوروبا، مشاركاً في معارض فردية وجماعية حملت توقيعه بوصفه فناناً يعيد إنتاج الذاكرة الفلسطينية والسورية معاً في لوحات ذات طابع تعبيري رمزي.
في أعماله تتكرر صور البيت الغائب والوجه غير المكتمل والأرض التي تظهر كظل أكثر منها كحدود، في محاولة دائمة للإمساك بما فقده الإنسان في المنفى.
بيت في المنفى… وأربعة أبناء
في فرنسا حيث تشكّلت حياة عائلية جديدة لرغدة حسن وعامر داود مع أربعة أبناء، كبروا في فضاء متعدد اللغات والثقافات، بين ذاكرة لا تهدأ وأسئلة هوية مفتوحة.لم تكن العائلة مجرد خلفية شخصية، بل جزءاً من التجربة ذاتها، حيث امتزج الخاص بالعام وتحول البيت إلى مساحة تعيد إنتاج أسئلة الوطن والمنفى.
حين يصبح الحب وثيقة A Syrian Love Story
تحولت قصة رغدة وعامر إلى فيلم وثائقي بعنوان A Syrian Love Story الذي وثّق رحلتهما من السجن إلى المنفى ومن الألم إلى محاولة بناء حياة جديدة.لم يقدم الفيلم بطولات، بل قدّم هشاشة إنسانية واضحة، شخصان يحاولان العيش وسط ذاكرة ثقيلة دون أن يتخليا عن الأمل.
المرض والرحيل
في سنواتها الأخيرة واجهت رغدة حسن مرضاً عضالاً دخلت معه في صراع جديد، هذه المرة مع الجسد لا مع السياسة.رغم المرض بقيت قريبة من الكتابة والذاكرة وكأنها تحاول أن تؤجل النهاية.في مارس 2021 رحلت في أحد مستشفيات فرنسا، تاركة خلفها تجربة ممتدة بين السجن والمنفى وبين الأدب والفن وبين الفرد والجماعة.
ذاكرة لا تُغلق
لا يمكن اختزال رغدة حسن في كونها كاتبة أو معتقلة سابقة أو لاجئة سياسية، كما لا يمكن فصلها عن عامر داود الفنان الذي رافقها في كل التحولات.معاً شكّلا سيرة واحدة بوجهين، الكلمة عندها واللون عنده، وبينهما أربعة أبناء ومنفى طويل وذاكرة لا تزال مفتوحة.رحلت رغدة حسن لكن الحكاية لم تنتهِ. ما زالت لوحات عامر داود تواصل ما بدأته الكلمات، وكأن السجن الذي بدأ في مكان بعيد ما زال يمتد بطريقة أخرى داخل الفن والذاكرة.وفي النهاية يبقى السؤال الذي لا يغلق بسهولة، كيف يمكن للإنسان أن يحيا بعد كل ما مر به دون أن يفقد نفسه؟




Commenti