روما تحتفي بطلال خريس.. «تاريخ مراسل» حكاية صحافي عبر الحدود والذاكرة والإنسانية

ستيفانيا كراكسي تتصدر المشهد السياسي والثقافي في قصر غراتسيولي.. وسفيرا لبنان وأرمينيا والسفيرة اليمنية يشهدون على مسيرة صحافي جمع بين المهنية والوفاء للقضايا الإنسانية.. ووسام رئاسي أرمني يختصر علاقة استثنائية امتدت لعقود
بقلم: مروة الخيال

في مشهد جمع بين الدبلوماسية والسياسة والإعلام والثقافة، احتضنت العاصمة الإيطالية روما، صباح الثالث من نوفمبر، حفل تقديم وتوقيع كتاب «تاريخ مراسل» (Storia di un reporter) للصحافي اللبناني طلال خريس، وذلك في مقر جمعية الصحافة الأجنبية في إيطاليا، داخل قصر غراتسيولي التاريخي (Palazzo Grazioli)، بحضور شخصيات سياسية ودبلوماسية وإعلامية، تقدمتهم السيناتورة الإيطالية ستيفانيا كراكسي، رئيسة لجنة العلاقات الدولية في مجلس الشيوخ الإيطالي.
ولم يكن الحفل مجرد مناسبة ثقافية لتقديم كتاب جديد، بل تحول إلى لقاء استثنائي لاستعادة مسيرة صحافية وإنسانية امتدت سنوات طويلة، وشهادة من شخصيات سياسية ودبلوماسية عايشت جوانب من تجربة خريس، ورافقته في محطات مهنية وإنسانية متعددة.
وقد اجتمع في المناسبة عدد من الشخصيات التي تعكس تنوع علاقات الصحافي اللبناني وحضوره الدولي، من بينهم السفيرة اللبنانية لدى إيطاليا كارلا جازار، والسفير الأرمني في روما فلاديمير كارابيتيان، والسفيرة اليمنية أسمهان التقي، عميدة السفراء العرب في روما، إلى جانب رئيسة جمعية الصحافة الأجنبية باتريشيا توماس، مراسلة وكالة أسوشيتد برس، والكاتب أندريا كوكو، الذي تولى صياغة الكتاب انطلاقاً من حواراته مع خريس.

ستيفانيا كراكسي.. حضور سياسي وثقافي في قلب روما
كان حضور السيناتورة الإيطالية ستيفانيا كراكسي (Stefania Craxi)، صاحبة مقدمة الكتاب، من أبرز محطات المناسبة، بما تمثله من مكانة سياسية ودور في العلاقات الدولية داخل مجلس الشيوخ الإيطالي.
ولم يكن حضورها بروتوكولياً، بل حمل دلالة ثقافية وسياسية، خصوصاً أن الكتاب يتجاوز السيرة المهنية لمراسل صحافي إلى استعادة محطات من تاريخ المنطقة وعلاقاتها الدولية، من خلال عين صحافي عايش الحروب والتحولات السياسية والتقى شخصيات من عوالم السياسة والدبلوماسية والإعلام.
وقد شكلت مقدمتها للكتاب مدخلاً إلى تجربة تجمع بين الصحافة والتاريخ والعلاقات الإنسانية، وتكشف كيف يستطيع المراسل أن يكون شاهداً على الأحداث، وفي الوقت نفسه طرفاً في بناء علاقات بين الشعوب والثقافات.
وأدارت اللقاء باتريشيا توماس، رئيسة جمعية الصحافة الأجنبية في إيطاليا ومراسلة وكالة أسوشيتد برس، في مقر الجمعية بقصر غراتسيولي، في مناسبة اكتسبت أهميتها أيضاً من طبيعة المكان الذي يجمع الصحافيين والمراسلين الدوليين العاملين في العاصمة الإيطالية.

كارلا جازار.. لبنان يكرّم ابنه في روما: مسيرة صحافية حملت الوطن إلى المحافل الدولية
حملت مشاركة السفيرة اللبنانية لدى إيطاليا كارلا جازار أهمية خاصة، فالمناسبة تحتفي بصحافي لبناني استطاع أن يجعل من روما محطة أساسية في مسيرته، من دون أن تنفصل تجربته عن جذوره اللبنانية أو عن القضايا العربية التي ظلت حاضرة في عمله واهتماماته.
وفي كلمتها خلال اللقاء، تناولت السفيرة اللبنانية مسيرة خريس وحضوره الصحافي، في شهادة عكست تقديراً لتجربته وللدور الذي أداه في إبراز القضايا اللبنانية والعربية على الساحة الدولية.
كما حملت مشاركتها بعداً إنسانياً، يرتبط بشخصية الصحافي الذي لا يكتفي بأداء مهمته الإعلامية، بل يحافظ على علاقاته الإنسانية، ويحرص على التواصل والوقوف إلى جانب الآخرين.
وكان حضور السفيرة اللبنانية بمثابة تأكيد على أن تجربة خريس، رغم امتدادها الدولي، ظلت مرتبطة بلبنان، وبالهوية الصحافية التي حملها معه إلى العواصم التي عمل فيها.

فلاديمير كارابيتيان.. طلال خريس وأرمينيا: وفاء لقضية شعب وذاكرة تاريخية تُوّجت بوسام رئاسي
ومن أبرز محطات المناسبة كلمة سفير جمهورية أرمينيا لدى إيطاليا فلاديمير كارابيتيان (Vladimir Karapetyan)، الذي تحدث عن العلاقة الخاصة التي تجمع طلال خريس بأرمينيا، وعن إخلاصه للقضية الأرمنية واهتمامه بتاريخ الشعب الأرمني وحقوقه.
وقد سلط السفير الضوء على أن علاقة خريس بأرمينيا ليست مجرد ارتباط مهني فرضته طبيعة العمل الصحافي، بل هي علاقة إنسانية وتاريخية عميقة، تشكلت عبر سنوات طويلة من الاهتمام والمتابعة والدفاع عن الذاكرة الأرمنية.
وتعود جذور هذا الارتباط إلى مرحلة مبكرة من حياة خريس، عندما كان في السادسة عشرة من عمره ويعيش في بيروت، حيث تعرف إلى قضية الإبادة الأرمنية، لتصبح منذ ذلك الوقت جزءاً من اهتمامه الفكري والإنساني والصحافي.
ولم يبق هذا الاهتمام في إطار التعاطف أو المعرفة التاريخية، بل تحول إلى التزام مستمر، ظهر في كتاباته وتغطياته ومتابعته للشؤون الأرمنية، وفي إسهامه في التعريف بالقضية الأرمنية وتعزيز التواصل بين الشعبين الأرمني والإيطالي.
واستعاد السفير في كلمته محطة مهمة من هذا المسار، تمثلت في التكريم الذي حصل عليه خريس عام 2023، عندما منحه رئيس جمهورية أرمينيا فاهاغن خاتشاتوريان وسام الامتنان (Medal of Gratitude)، تقديراً لخدماته لأرمينيا والشعب الأرمني، ولدوره في تعزيز وتطوير علاقات الصداقة بين أرمينيا وإيطاليا.
وقد شكل هذا التكريم اعترافاً رسمياً بعلاقة لم تصنعها المصالح أو الظروف العابرة، وإنما سنوات من العمل والوفاء لقضية شعب وذاكرته.
وهنا تكتسب كلمة السفير الأرمني أهمية تتجاوز الإشادة بمراسل صحافي، لتصبح شهادة على دور الإعلام في حماية الذاكرة التاريخية، وعلى قدرة الصحافي على أن يكون صوتاً لقضايا لا ترتبط بالضرورة بجنسيته أو وطنه، بل بقناعته الإنسانية والتزامه الأخلاقي.

أسمهان الطوقي.. شهادة من اليمن: وراء المراسل الصحافي إنسان لا يغيب عن المواقف الإنسانية
ومن اللحظات المؤثرة في اللقاء كلمة السفيرة اليمنية لدى إيطاليا أسمهان التقي، عميدة السفراء العرب في روما، التي قدمت شهادة تقدير لشخصية طلال خريس، مسلطة الضوء على الجانب الإنساني في مسيرته، وعلى ما يتمتع به من إخلاص وصدق في التعامل وحضور إلى جانب الآخرين.
ولم يقتصر التقدير على الجانب المهني، بل امتد إلى شخصية الإنسان الذي لا يتعامل مع الصحافة باعتبارها وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وإنما مسؤولية مستمرة تجاه الآخرين والقضايا التي يتابعها.
فخريس، كما عكست الشهادة اليمنية، حاضر في مختلف الأوقات، يتابع ويتواصل ويسعى إلى إنجاز ما يقع على عاتقه، ولا يتردد في مساعدة زميل أو الوقوف إلى جانب صديق أو متابعة قضية تحتاج إلى اهتمام.
وهنا تكمن إحدى أهم زوايا شخصيته؛ فالإنسان الذي يقف خلف المراسل لا يقل أهمية عن الصحافي الذي يظهر أمام الكاميرات أو يكتب التقارير.
وقد أضافت كلمة السفيرة اليمنية إلى المناسبة بعداً مختلفاً، لأنها نقلت الحضور من مساحة الحديث عن الإنجازات والتغطيات الصحافية إلى مساحة العلاقات الإنسانية والوفاء والمواقف التي لا توثقها الأخبار دائماً، لكنها تبقى في ذاكرة أصحابها.

طلال خريس.. صحافي لبناني بصوت لبناني وأرمني وحضور عربي دولي
ولا يمكن فصل الاحتفاء بكتاب «تاريخ مراسل» عن طبيعة المسيرة التي يمثلها صاحبه.
فطلال خريس، إلى جانب عمله الصحافي، يشغل منصب رئيس جمعية الصداقة الإيطالية العربية (Associazione di amicizia italo-araba Assadakah)، كما يعمل مراسلاً لوكالتي الأنباء الوطنيتين في لبنان وأرمينيا، الوكالة الوطنية للإعلام (NNA) ووكالة أرمنبريس (Armenpress).
وهذه الأدوار المتعددة تعكس طبيعة تجربته التي جمعت بين الصحافة والعمل الثقافي والعلاقات الدولية، وجعلت منه حلقة وصل بين إيطاليا والعالم العربي وأرمينيا.
ومن بيروت إلى روما وأرمينيا، لم تكن رحلته مجرد انتقال بين عواصم، بل تجربة مهنية وإنسانية غنية، حملت معها حكايات الحروب والتحولات السياسية واللقاءات مع شخصيات صنعت جوانب من تاريخ المنطقة.
ولعل ما يميز هذه التجربة أن خريس لم يكتف بنقل الأخبار من مواقع الأحداث، بل سعى إلى فهم خلفياتها، والاقتراب من الأشخاص الذين عاشوها، والتعرف إلى القضايا التي تقف وراءها.
«تاريخ مراسل».. ذاكرة الحروب والسياسة والإنسان
الكتاب، الصادر عن دار النشر الإيطالية Difesa Online، يروي فيه طلال خريس سيرته للكاتب أندريا كوكو، مستعيداً محطات مهمة من حياته وعمله الصحافي، واللقاءات التي جمعته بشخصيات سياسية ودبلوماسية وإعلامية، إلى جانب تجاربه في تغطية الحروب والتحولات التاريخية الكبرى.
ولا يقدم الكتاب سيرة ذاتية تقليدية، بل يفتح نافذة على مراحل تاريخية من وجهة نظر مراسل عاش الأحداث من الداخل، وشاهد كيف تتغير الدول والمجتمعات تحت تأثير الحروب والصراعات والتحولات السياسية.
وتكتسب الشهادات واللقاءات التي يتضمنها الكتاب أهمية إضافية، لأنها تكشف شبكة العلاقات التي ساهم العمل الصحافي في بنائها بين الشرق وأوروبا، وتقدم زوايا مختلفة لمسيرة خريس، بعيداً عن السرد التقليدي للإنجازات المهنية.
فالصحافي الذي ينقل الأحداث لا يعيش خارجها، بل يتأثر بها ويحتفظ بتفاصيلها، وتصبح لقاءاته مع الشخصيات والأشخاص جزءاً من ذاكرته المهنية والإنسانية.

حين يكتب الآخرون عن الصحافي
لعل أجمل ما كشفته مناسبة روما أن قيمة الإنسان لا تقاس فقط بما يحققه في عمله، وإنما أيضاً بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
فقد اجتمع في قصر غراتسيولي ممثلو السياسة والدبلوماسية والإعلام والثقافة، وجمعتهم مناسبة واحدة، لكنها حملت شهادات متعددة عن جوانب مختلفة من شخصية خريس.
كانت هناك شهادة لبنانية عن الصحافي الذي لم ينس وطنه، وشهادة أرمنية عن رجل ارتبط بقضية شعب وذاكرته، وشهادة يمنية عن الإنسان الذي جعل من المهنة مساحة للوفاء والمساندة والتواصل.
وهذه الشهادات، على اختلاف مصادرها وخلفيات أصحابها، التقت عند نقطة واحدة: أن مسيرة الصحافي لا تصنعها التقارير وحدها، بل أيضاً العلاقات والمواقف والالتزامات الإنسانية التي ترافقها.
وفي زمن أصبحت فيه الأخبار تتدفق بسرعة، وتطغى فيه أحياناً اللحظة العابرة على التوثيق العميق، تأتي تجربة «تاريخ مراسل» لتذكرنا بأن الصحافة ليست مجرد نقل للمعلومة، بل مسؤولية وذاكرة وشهادة للتاريخ.
فقد يكتب الصحافي عن الآخرين طوال حياته، ويوثق حكاياتهم ومواقفهم، لكن اللحظة الأكثر تأثيراً تأتي عندما يتوقف الآخرون ليكتبوا عنه، ويشهدوا على ما تركه في نفوسهم من مواقف وذكريات ووفاء.
وهذا ربما كان أجمل ما حمله احتفاء روما بطلال خريس؛ أن يكون الكتاب توثيقاً لمسيرة صحافي، بينما يتحول اللقاء نفسه إلى شهادة على الإنسان الذي يقف خلف هذه المسيرة.
فبعض الكتب تروي حياة أصحابها، وبعض اللقاءات تكشف حقيقة ما تركوه في حياة الآخرين.. وفي روما، اجتمعت الحكايتان في «تاريخ مراسل».


Commenti