top of page

على تخوم الجنوب… بين الأرقام والكرامة الإنسانية

  • 4 ore fa
  • Tempo di lettura: 2 min

✍️ طلال خريس

في 31 آذار، لم يكن الاجتماع الذي جمع رئيس جمعية فرسان مالطا في لبنان، مروان صحناوي، مع الفعاليات في القرى اللبنانية على امتداد الحدود الجنوبية، وأيضاَ داخل المركز الصحي في عين الرمانة، حدثًا عابرًا في سياق العمل الإنساني. بل جاء كمحطة تعكس تحوّلًا واضحًا من الاستجابة الطارئة إلى بناء مقاربة أكثر استدامة، تجمع بين البعد الإنساني والبعد العملي في إدارة الأزمات.

اللقاء حمل هدفًا مباشرًا تعزيز الدعم المقدم للمجتمعات المحلية في ظل ظروف معيشية وأمنية معقّدة، مع التركيز على رفع قدرة هذه المجتمعات على الصمود. لكن خلف هذا الهدف، برز إدراك أعمق بأن المساعدات، مهما بلغت أهميتها، لا تكون كافية ما لم تتحول إلى جزء من استراتيجية طويلة الأمد تحافظ على كرامة الإنسان وتمنحه أدوات الاستمرار.هذا التوجه لا يأتي من فراغ. فجمعية فرسان مالطا تمتلك تجربة تمتد لأكثر من سبعة عقود في لبنان، وأكثر من أربعين عامًا في الجنوب، ما أتاح لها بناء شبكة متكاملة من الخدمات تضم نحو ستين مشروعًا وبرنامجًا.

وتشمل هذه الشبكة اثني عشر مركزًا للرعاية الصحية الأولية، واثنتي عشرة وحدة طبية متنقلة، وسبعة مراكز زراعية إنسانية، وثلاثة مطابخ مجتمعية متنقلة، إلى جانب برامج اجتماعية متنوعة ومرافق متخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة.لكن أهمية هذا الحضور تتضح أكثر عند النظر إلى نتائجه خلال المرحلة الأخيرة. فمنذ بداية الحرب، قدّمت الجمعية ما يقارب 5000 خدمة رعاية صحية للنازحين داخليًا، إضافة إلى 3706 خدمات صيدلانية. وعلى مستوى الأمن الغذائي، تم توزيع أكثر من 17000 وجبة ساخنة و5700 وجبة باردة ووجبات خفيفة، في محاولة للحد من التداعيات المباشرة للأزمة على الفئات الأكثر هشاشة.

ولم يقتصر العمل على الجانب المادي فقط، بل شمل أيضًا البعد النفسي والاجتماعي، حيث تم توفير 725 مجموعة تعليمية وترفيهية، استهدفت دعم الأطفال والعائلات المتضررة، في خطوة تعكس فهمًا أعمق لطبيعة الأزمات المركّبة، التي لا تُقاس فقط بما تخلّفه من نقص في الغذاء أو الدواء، بل أيضًا بما تتركه من آثار نفسية طويلة الأمد.الاجتماع في عين الرمانة أظهر بوضوح أن العمل الإنساني الفعّال لم يعد قائمًا على رد الفعل فقط، بل على التخطيط والتنسيق مع الفاعلين المحليين، وفي مقدمتهم قادة القرى، الذين يشكّلون حلقة الوصل الأساسية بين المؤسسات والمجتمع. هذه الشراكة تُسهم في توجيه الموارد بشكل أدق، وتضمن وصولها إلى حيث الحاجة الفعلية.

في لبنان، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، يصبح التوازن بين الإغاثة الفورية والتنمية المستدامة أمرًا حاسمًا. ومن هنا، يبدو أن نموذج فرسان مالطا يسعى إلى تحقيق هذا التوازن: تقديم المساعدة من جهة، وبناء القدرة على الاستمرار من جهة أخرى.ما بين الأرقام والواقع، تتشكل صورة أكثر وضوحًا: العمل الإنساني ليس مجرد استجابة ظرفية، بل عملية مستمرة تتطلب رؤية، واستمرارية، وشراكة حقيقية مع المجتمعات. وفي الجنوب اللبناني، حيث تختبر الأزمات قدرة الناس على التحمّل، يبقى الرهان على هذه النماذج التي تحاول أن تحمي الإنسان… لا فقط من الحاجة، بل من فقدان الأمل.

Commenti


bottom of page