top of page

«كتاب الرؤيوي كمال جنبلاط». للدكتور ميشال كعدي

  • 5 ore fa
  • Tempo di lettura: 4 min


قراءة في فكر زعيمٍ صاغ التاريخ بضميره.

إعداد: مكرم المصري

صليما: ٢٤/ ٦/ ٢٠٢٦.

في زمنٍ تتقاذف فيه التيارات السياسية أفكاراً عابرة، وتضيع فيه القيم الكبرى وسط ضجيج المصالح، يبرز كتاب «الرؤيوي كمال جنبلاط» كصاعقةٍ فكريةٍ تخترق جدار النسيان، لتعيد تقديم المعلم الشهيد كمال جنبلاط لا بوصفه زعيماً سياسياً فحسب، بل مفكراً استثنائياً وفيلسوفاً رؤيوياً حمل همَّ الإنسان، ووقف في وجه الاستبداد والفساد بصلابة الحقيقة وشجاعة الموقف. فالكتاب ليس مجرد استعادة لسيرة رجل من رجالات لبنان الكبار، بل هو محاولة جادة لاستنطاق تجربة فكرية وسياسية وإنسانية، جعلت من صاحبها مدرسةً قائمة بذاتها، ورمزاً للإصلاح والتنوير، وصوتاً حراً تجاوز حدود الطائفة والوطن ليخاطب الإنسان في كل مكان.إن هذا العمل يشكل صرخة وفاءٍ توثق لمسيرة رجل رفض إلا أن يكون ضمير لبنان وفلسطين والعالم العربي، وقد تجلى هذا المنهج في هذا الكتاب الذي اعتمد فيه الدكتور ميشال كعدي على رصانة بحثية نادرة، ليقدم صورة متكاملة لزعيم جعل من «معرفة الذات» أساساً للارتقاء الروحي والإنساني، ومن الحرية والعدالة الاجتماعية عنواناً لمسيرته.

* الكاتب ومنهجه البحثي

يأتي هذا الكتاب بقلم الدكتور ميشال كعدي، ابن بلدة قوسايا في قضاء زحلة، والحاصل على شهادة الدكتوراه في فقه اللغة العربية عام ١٩٨٣. وقد انصرف إلى التعليم في الجامعات والمعاهد والمدارس الكبرى، وإلى الكتابة والبحث، فاستحق عدداً من الدروع والجوائز والأوسمة، وأغنى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات في اللغة العربية والأدب والشعر، ما جعله واحداً من الأسماء الثقافية والأدبية المعروفة التي جمعت بين المعرفة الأكاديمية واللغة الرفيعة والبحث الرصين.يقع الكتاب في ١٥٨ صفحة، بما فيها الفهارس، وقد اعتمد فيه المؤلف على عدد كبير من المصادر والمراجع، الأمر الذي أضفى عليه قيمة توثيقية وتاريخية، وجعله أقرب إلى الدراسة المتكاملة التي تسلط الضوء على جوانب متعددة من فكر كمال جنبلاط وتجربته.وقد وضع مقدمة الكتاب معالي الوزير الأستاذ غازي العريضي، الذي وصف الدكتور ميشال كعدي بـ«الأديب اللغوي الأنيق»، مشيداً بأسلوبه البحثي ولغته المتينة، وقدرته على تقديم الشخصيات التاريخية والفكرية بأسلوب يجمع بين الموضوعية والعمق الأدبي.أما الإشراف الثقافي، فقد تولته مؤسسة «زادي الثقافية» برئاسة المهندس مازن فوزي عابد، التي رأت في هذا العمل ركيزة ثقافية تسهم في ترسيخ الوعي الفكري وإطلاق ثورة معرفية مستدامة، فيما صدر الكتاب ضمن منشورات «منتدى شاعر الكورة الخضراء»، وجاءت لوحة الغلاف من تصميم الفنان والشاعر يامن صعب، الذي نجح في ترجمة روح الكتاب بصرياً، فجاء الغلاف معبّراً عن شخصية كمال جنبلاط الفكرية والإنسانية.

* في مضمون الرحلة الفكرية

يغوص الكتاب في مختبر كمال جنبلاط الفكري، حيث لا مكان للمحسوبيات أو التردد، بل حضور دائم للعقل، وللقيم الإنسانية، وللرؤية الإصلاحية الشاملة. ومن خلال تتبع المحطات الأساسية في حياته، يبرز الدكتور ميشال كعدي كيف خاض جنبلاط معركته ضد الفساد منذ بداياته السياسية، رافضاً مظاهر السلطة البالية، ومؤمناً بأن الكفاءة والنزاهة هما المعيار الحقيقي لبناء الدولة والمجتمع.ويتناول الكتاب، بجرأة وموضوعية، تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي في الرابع والعشرين من شباط عام ١٩٤٩، بمشاركة نخبة من المفكرين والأدباء والمثقفين، من بينهم الشيخ عبد الله العلايلي وجورج حنا وسواهما، في تجربة سياسية وفكرية هدفت إلى إرساء مبادئ العدالة الاجتماعية، وإقامة دولة المواطنة والمؤسسات، والدفاع عن الفئات الشعبية والمحرومة.كما يتوقف المؤلف عند موقف كمال جنبلاط من القضية الفلسطينية، وانتقاده الصارم لأداء الأنظمة العربية، حيث كان يرى أن الهزائم لا تُفسَّر بالمؤامرات وحدها، بل بالأخطاء الذاتية والجمود الفكري، ولذلك كان يردد عبارته الشهيرة: «خطيئتنا الكبرى هي التطلع دائماً إلى الماضي»، داعياً إلى التجدد والانفتاح على العصر، وبناء الإنسان القادر على صناعة المستقبل.ويكشف الكتاب عن الرؤية الإصلاحية الشاملة التي حملها كمال جنبلاط، والتي لم تقتصر على السياسة، بل امتدت إلى مختلف جوانب الحياة العامة. فقد دعا إلى إصلاح السجون، وتطوير النظام الضريبي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحديث الإدارة، ومكافحة الفساد، وصيانة المال العام، وحماية التاريخ من التزوير، والحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية للأمة، فضلاً عن اهتمامه بالفكر والفلسفة والبعد الروحي، وإيمانه بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات.ولا يغفل الكتاب الجانب الإنساني والفلسفي في شخصية كمال جنبلاط، إذ يظهره مفكراً صاحب رؤية كونية، جمع بين الروحانية الشرقية والفكر الإنساني المعاصر، ورأى في المعرفة وسيلة لتحرير الإنسان، وفي الثقافة جسراً للحوار بين الحضارات، وفي الأخلاق أساساً لكل نهضة حقيقية. لقد كان كمال جنبلاط، كما يقدمه هذا الكتاب، زعيماً سبق عصره، ومصلحاً آمن بأن السياسة ليست صراعاً على السلطة، بل رسالة لخدمة الإنسان، وأن الوطن لا يبنى بالمصالح الضيقة، بل بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية.

* قيمة الكتاب وأهميته

تكمن أهمية كتاب «الرؤيوي كمال جنبلاط» في أنه لا يكتفي بسرد الوقائع والأحداث، بل يسعى إلى قراءة المشروع الفكري لكمال جنبلاط قراءة تحليلية، تكشف أبعاد شخصيته السياسية والثقافية والإنسانية. ومن خلال اعتماده على مصادر ومراجع متعددة، نجح الدكتور ميشال كعدي في تقديم عمل يجمع بين الدقة العلمية والأسلوب الأدبي الرصين، ما يجعل الكتاب مرجعاً مهماً لكل من يرغب في التعرف إلى فكر المعلم الشهيد وإرثه الإصلاحي.فالكتاب لا يعيد استحضار الماضي فحسب، بل يطرح أسئلة الحاضر والمستقبل، ويذكر الأجيال الجديدة بأن الأفكار الكبيرة لا تموت، وأن الرجال الذين يحملون مشروعاً إنسانياً يتجاوز حضورهم حدود الزمن.

* خاتمة

إن كتاب «الرؤيوي كمال جنبلاط» ليس مجرد سيرة أو دراسة تاريخية، بل هو شهادة وفاء لرجل جعل من الحرية عقيدة، ومن العدالة الاجتماعية نهجاً، ومن الكرامة الإنسانية غاية سامية. إنه كتاب يعيد إحياء فكر المعلم الشهيد، ويؤكد أن القادة الحقيقيين لا يُقاسون بحجم السلطة التي امتلكوها، بل بالأفكار التي زرعوها، والقيم التي دافعوا عنها، والإرث الذي تركوه للأجيال.وبجهد الدكتور ميشال كعدي، وبدعم مؤسسة زادي الثقافية، وضمن منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء، يخرج هذا العمل إلى النور ليكون أكثر من مجرد كتاب؛ إنه وثيقة فكرية وإنسانية تحفظ الذاكرة، وتصون الحقيقة، وتؤكد أن كمال جنبلاط كان، وسيبقى، حارساً أميناً لكرامة الإنسان، وصاحب رؤية تجاوزت حدود الزمن، لتبقى حية في وجدان لبنان والعالم العربي.

1 commento


Membro sconosciuto
16 minuti fa

När kvällsbrisen drar in genom den öppna balkongdörren och staden utanför sakta tystnar, brukar jag bara sitta stilla och andas ut. Jag tog ett glas kallt vatten och kom att tänka på en intressant diskussion jag hade i en gruppchatt med mina närmaste häromdagen. Vi pratade om konst, fotografi och gränserna för vad som anses privat, och mitt i allt började vi prata om svenska nakenbilder och medias roll i dagens samhälle. Det blev ett väldigt djupt men samtidigt lättsamt samtal som fick mig att helt glömma bort alla vardagliga måsten.

Modificato
Mi piace
bottom of page