top of page

من المواجهة إلى الشراكة… أمريكا تعيد توزيع النفوذ في الشرق الأوسط

  • 3 ore fa
  • Tempo di lettura: 2 min


✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي


في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب دائماً عند خطوط النار، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً، هي مرحلة إعادة رسم التوازنات وتوزيع النفوذ. وما جرى بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأشهر الماضية يبدو أقرب إلى هذا النموذج؛ فالحرب لم تفضِ إلى سقوط إيران أو تغيير نظامها، كما لم تحقق إسرائيل أهدافها الاستراتيجية، بل فتحت الباب أمام تفاهمات جديدة قد تغيّر شكل المنطقة لسنوات طويلة.الاتفاق الأمريكي – الإيراني جاء بعد فشل الولايات المتحدة في خياراتها ومن المعروف بأن الولايات المتحدة عندما تخسر تذهب للشراكة مع الخصم وتحول الهزيمة إلى شراكة . ولذلك يبدو الإتفاق سيكون أكبر بكثير من الملف النووي أو من الساحة اللبنانية. فالمؤشرات المتوافرة توحي بأن واشنطن وصلت إلى قناعة مفادها أن إيران لاعب رئيسي لا يمكن عزله أو إقصاؤه، وأن الاستقرار الإقليمي يمر عبر التفاهم معها لا عبر المواجهة المفتوحة. ولذلك، فإن طهران تبدو مرشحة للحصول على حضور سياسي وأمني أكبر في المنطقة، في إطار توازنات جديدة تقوم على إدارة المصالح وتقاسم النفوذ.لقد كشفت الحرب أيضاً واحدة من أكبر مشكلات السياسة الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، وهي سوء فهم دقيق للمنطقة وسوء تقدير إيران. فقد دخلت واشنطن وتل أبيب المواجهة على أساس فرضيات خاطئة، معتقدتين أن الضغوط العسكرية كفيلة بتغيير المعادلات، لكن الوقائع أثبتت أن الشرق الأوسط أكثر تعقيداً، وأن إيران تمتلك أدوات قوة وقدرة على الصمود لا يمكن تجاهلها.وفي المقابل، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر قلقاً من هذه التحولات. فمن المرجح أن تحاول تل أبيب تعطيل أي اتفاق أمريكي – إيراني أو تأخير نتائجه عبر التصعيد السياسي والعسكري، لأنها تدرك أن أي تفاهم بين واشنطن وطهران سيضع حداً لحلم إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية. غير أن التجربة التاريخية تؤكد أن الولايات المتحدة، عندما تتخذ قراراً استراتيجياً، تمتلك في النهاية القدرة على فرض التسويات حتى على أقرب حلفائها.أما إقليمياً، فتبرز ملامح تقارب بين السعودية وإيران وقطر وتركيا ومصر وباكستان، وهو تقارب تدفع إليه الحاجة إلى الاستقرار وحماية الاقتصاد الإقليمي وممرات الطاقة والتجارة. وقد يشكل هذا التفاهم الواسع نواة لنظام إقليمي جديد تتراجع فيه الصراعات المباشرة لصالح الشراكات والتفاهمات.وفي لبنان، تبدو التسوية المقبلة جزءاً من المشهد الأكبر. فالحديث لم يعد يقتصر على الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب أو على مستقبل حزب الله، بل يتصل بترتيبات إقليمية أشمل. كما أن ظهور قنوات حوار مباشرة وغير مباشرة بين الأمريكيين وحزب الله، والحديث عن رغبة إسرائيل في التفاوض مع حزب الله عبر إحدى الدول العربية، يؤكدان أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة.إن ما يجري اليوم ليس نهاية حرب فحسب، بل بداية شرق أوسط جديد، تنتقل فيه الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء والمواجهة إلى سياسة الشراكة وإدارة التوازنات. وقد لا يرضي هذا التحول جميع الأطراف، لكنه يعكس حقيقة بات من الصعب تجاهلها: لا يمكن رسم مستقبل المنطقة من دون إيران، ولا يمكن ضمان استقرارها من دون تفاهمات إقليمية واسعة تتجاوز منطق الحروب وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ.

Commenti


bottom of page