top of page

نعم للسلام سلام لا للحرب

  • 22 mar
  • Tempo di lettura: 2 min


الأب حنا خضره الأنطوني .

1- حاصرتني في منسكتي الفكرية نيران حروب الجيوش المتقاتلة العبثية، وحشت رأسي أبواق المحللين في السياسة والأمن، وأبكتني قوافل النازحين القامعين قسرًا على جنبات الطرقات الموحلة، وشواطىء البحار المزبدة، وهم يمسحون دموع الخيبة والقهر، ويجرّون خلفهم أولادهم والأحفاد، ويحملون في عيونهم ما تركوه وراءهم من أرزاق قد تكون تُلفت، أو بيوت هدّمت، وألف صورة وصورة من ذكريات امسهم الجميل أحرقت أو تمزقت.٢- تنهدت طويلًا فوق أوراقي، ونهضت بقرار الخروج إلى النواحي البعيدة، أنشد سلامًا لقلبي المضطرب، وأتوسل لعينيّ يدًا تمسح ما قد تفّلت منهما من دموع على انسانٍ ووطنٍ وشرقٍ تآلف تاريخه مع لعنات مأساوية الحروب، وتحوّلت ايديولوجياته العلوية إلى طاقات من الشتائم والسباب والكراهية.

٣- قبل ان أخرج من صومعتي، أعدت إلى يسوع الناصري انجيل تعاليمه، وقلت له بأسف كبير: " إن ما تفضّلت به عن محبة الأعداء وبركة المضطهدين ، وما اتحفتنا به عن ضيافة السامري ورحمته إزاء جريح اريحا، لم يعد له مكان في وطني، ولا موطىء قدم بين طوائفه وأديانه، لأننا عدنا سريعًا إلى فطرتنا المقيتة، وبتنا نتكلم لغة الوحوش، ونسير بهدي ايحاءات شيطانية، وننشد أغاني الشماتة ونعزف ألحان التشفي. وكان سبق لي أن التقيت الفيلسوف اليوناني ارسطو وسلمته كتابه:" الأخلاق إلى نيقوماخوس"، وهمست في أذنيه متوجعًا: "خذ كتابك يا صديقي، فالناس في بلادي لم يعودوا يقرؤون سوى ما تمليه عليهم غرائزهم المتوحشة، ولم يريدوا ان يسمعوا الّا لصوت ميولهم الثأرية الانتقامية. كان عليّ أن أقف أمام النبيّ العربي، وأطلب اليه لو كان بإمكانه ان يشرك مؤمنيه بصفة الرحمة العظيمة التي استشفها من كينونة العزّة الالهية: " الرحمان الرحيم"، ولكنّي خجلت من طرح مسألة لم يعد لها أثر كبير في خطابات القادة وعامة الناس.٤- ها أنا أسير على دروب القرويين الترابية الضيّقة في القرى النائية، أوزع تحياتي، بإنحناءة رأس وقلب، على الفلّاحين خلف محاريثهم، وعلى الرعيان فوق المروج الخضراء، وعلى الحطّابين في باطن الأودية، وهم ينشدون مواويل العشق والفراق، وعلى الكرّامين وهم يشذّبون دوالي كرومهم برجاء وأمل، شاكرين الله على نعمة الوجود، وروعة الخصوبة، وسرّ الحياة المتجددة في الكون. كانت العصافير مسيّرةً بسوط الغريزة الساحرة لتبني أعشاشها استمرارًا للحياة، ولخلق أجنحة جديدة تملأ فضاء الله الواسع. وكانت رفوف السنونو تخيط بدورانها السريع رداء الربيع الفتّان.٥-هناك...ابتسمت للحياة ولسلام الطبيعة والطير والبرّ، ولخصوبة الأرض التي تزيل كلّ يباس وتستر كلّ عري، وشعرت أكثر وأكثر بأن الحياة، ولو قصيرة، هي نعمة النعم وقيمة القيم، ولا يحقّ لنا ان نخسرها عبثًا ثمن أيّ شعار فارغ أو اعتبار تافه، بل فداء الحب وحياة من نحب:" ما من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه ". حبّ حمل ابن الإنسان ليموت على خشبة إنسانيتنا ليعطينا بها ملء الحياة.

Commenti


bottom of page