top of page

الأرمن في العالم العربي… أخلاق اللجوء وبناء الشراكة لا المنافسة

  • 3 mag
  • Tempo di lettura: 2 min


✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي


حين يُستعاد تاريخ الأرمن في العالم العربي، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد قصة لجوء هربًا من المجازر، بل كنموذج أخلاقي نادر في علاقة الضيف بالمضيف. لقد حمل الأرمن معهم جراحهم من بطش الدولة العثمانية، لكنهم حملوا أيضًا منظومة قيم إنسانية عميقة، كان أبرزها الامتناع الواعي عن منافسة المجتمعات التي احتضنتهم في مصادر رزقها التقليدية.هذا القرار لم يكن عفويًا أو ظرفيًا، بل كان تعبيرًا عن حس أخلاقي عالٍ، وإدراك دقيق لحساسية التوازن الاجتماعي في المجتمعات المستقبِلة. ففي مدن مثل دمشق وحلب وبيروت والقاهرة، لم يسعَ الأرمن إلى مزاحمة السكان المحليين في مهنهم المتوارثة، بل توجهوا إلى مجالات كانت إما غائبة أو محدودة الحضور. وهنا تكمن نقطة التحول: بدل أن يكونوا عبئًا، تحولوا إلى قوة مضافة.برز الأرمن في تجارة الذهب والمجوهرات، حيث أسسوا سمعة قائمة على الدقة والأمانة. وفي مجال التصوير الفوتوغرافي، كانوا من الرواد الذين أدخلوا هذا الفن إلى المنطقة وطوروه. أما في صناعة الأحذية والحرف اليدوية، فقد قدموا نماذج جودة عالية ساهمت في رفع مستوى الإنتاج المحلي. ومع الوقت، امتد تأثيرهم إلى مجالات أوسع، كالصناعة والتجارة الحديثة، حيث لعبوا دورًا في إدخال أساليب تنظيم وإدارة أكثر تطورًا.و الأثر الأرمني لم يقتصر على الاقتصاد والحرف، بل امتد بعمق إلى تفاصيل الحياة اليومية، وعلى رأسها المطبخ. ففي بلاد الشام، خاصة سوريا ولبنان، ترك الأرمن بصمة واضحة في الثقافة الغذائية، حيث نقلوا تقاليد طهو امتزجت مع البيئة المحلية لتنتج هوية مطبخية هجينة وغني ومثال على ذلك البسطرما والسجق والبورك والمعمول والبقلاوة والمربيات والمخللات ….

هذا السلوك يعكس فهمًا عميقًا لمعنى الاندماج الحقيقي ليس الذوبان الكامل، ولا الانغلاق، بل الشراكة المتوازنة. لقد حافظ الأرمن على هويتهم الثقافية واللغوية، لكنهم في الوقت ذاته احترموا خصوصيات المجتمعات العربية وأسهموا في نهضتها الاقتصادية. وهنا تتجلى المفارقة حيث اختاروا طريق التكامل بدل المنافسة، والإبداع بدل الصراع وهذا ماعزز فرصهم في النجاح والقبول.اليوم، وفي عالم يزداد توترًا حول قضايا الهجرة واللجوء، تبدو التجربة الأرمنية في العالم العربي درسًا بالغ الأهمية. فهي تطرح نموذجًا مختلفًا يقوم على الأخلاق قبل المصالح، وعلى التكامل بدل الصراع. كما تذكّر بأن المجتمعات التي تستقبل اللاجئين لا تخسر بالضرورة، بل قد تربح طاقات جديدة إذا ما توفرت النية المشتركة لبناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل.إن ما فعله الأرمن لم يكن مجرد تكتيك للنجاة، بل كان خيارًا حضاريًا أسهم في بناء جسور ثقة ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. وفي زمن الانقسامات، ربما نحتاج إلى استعادة مثل هذه النماذج، لا بوصفها حكايات من الماضي، بل كدروس للمستقبل .

Commenti


bottom of page