top of page

سوريا في صفحات التاريخ الروماني

2 ore fa
Tempo di lettura: 2 min


✍🏻 وائل المولى – كاتب وصحافي


حين نقرأ التاريخ السوري، يصعب تجاهل الحضور الروماني الذي ترك بصماته العميقة في مدن وطرق ومعابد ومسارح ما زالت شواهدها قائمة حتى اليوم. فقد كانت سوريا، بحكم موقعها الجغرافي، إحدى أهم المناطق التي التقت فيها الحضارات الشرقية مع العالم اليوناني والروماني، ضمن فضاء متوسطي واسع عرف التبادل التجاري والثقافي والسياسي.وفي قلب هذه الصفحات تبرز تدمر، المدينة التي استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة استثنائية في تاريخ الشرق. فقد كانت مركزاً تجارياً مهماً على طرق القوافل، تصل بين بلاد الرافدين وبلاد الشام والجزيرة العربية والبحر المتوسط، الأمر الذي منحها ثروة ونفوذاً ومكانة تجاوزت حدودها المحلية.وفي القرن الثالث الميلادي، برزت زنوبيا، الملكة التدمرية التي ارتبط اسمها بواحدة من أكثر المراحل إثارة في تاريخ المدينة. وفي ظل الظروف السياسية والعسكرية التي مرت بها الإمبراطورية الرومانية، توسع نفوذ تدمر في مناطق واسعة من الشرق، ووصل إلى مصر وأجزاء من الأناضول وبلاد الشام.لكن أهمية زنوبيا لا تختصر في علاقتها بروما أو في الصراع الذي انتهى بسقوط تدمر. فشخصيتها تكشف أيضاً عن طبيعة ذلك العصر الذي لم تكن فيه الحدود الثقافية والسياسية تشبه حدود عالمنا اليوم. كانت تدمر نفسها نتاجاً لتفاعل حضارات متعددة؛ ففي شوارعها ومعابدها وفنونها تداخلت التأثيرات المحلية والهلنستية والرومانية والشرقية.وعندما وصل الإمبراطور أورليان إلى تدمر عام 272م، انتهت التجربة السياسية التي قادتها زنوبيا، لكن المدينة لم تنتهِ من التاريخ. بقيت آثارها، وبقي اسم ملكتها حاضراً في الذاكرة السورية والأوروبية، ومنها الذاكرة الإيطالية التي احتفظت بتدمر وزنوبيا في الأدب والفن والمسرح والأوبرا.ولعل القيمة الأهم لهذه المرحلة أنها تذكّرنا بأن تاريخ سوريا لم يكن منفصلاً عن تاريخ المتوسط، وأن المدن السورية كانت جزءاً فاعلاً من حركة واسعة امتدت من الشرق إلى الغرب.واليوم، عندما نقف أمام أعمدة تدمر أو مسرح بصرى أو آثار أفاميا أو بقايا المدن الرومانية في سوريا، فإننا لا نرى حجارة صامتة، بل نقرأ فصولاً من تاريخ طويل تداخلت فيه الحضارات والمصالح والثقافات.إنها صفحات سورية من تاريخ روماني ومتوسطي واسع، بقيت حاضرة في الحجر، وفي الذاكرة، وفي صورة الشرق التي عرفتها روما والعالم الأوروبي عبر القرون.

Commenti


bottom of page