قمة يريفان ..القوقاز بين أوروبا وإمبراطوريات النفوذ .
- 8 mag
- Tempo di lettura: 2 min

✍️ طلال خريس
لم تكن قمة يريفان الأرمنية–الأوروبية مجرد محطة دبلوماسية عابرة في روزنامة السياسة الدولية، بل بدت كإشارة واضحة إلى أن جنوب القوقاز يدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة في خرائط النفوذ، حيث تتقاطع مصالح أوروبا مع خطوط التماس التاريخية لثلاث قوى كبرى: إيران وتركيا وروسيا.فمنذ سنوات، كانت هذه المنطقة تُدار بمنطق “الاستقرار الهش” تحت مظلة النفوذ الروسي، لكن المتغيرات الأخيرة، من الحرب في أوكرانيا إلى تصاعد التنافس الإقليمي، فتحت الباب أمام فراغ تدريجي في السيطرة، حاولت أوروبا أن تملأه عبر بوابة أرمينيا.أرمينيا، التي تجد نفسها بين ضغط الجغرافيا وتعقيدات التاريخ، تنظر إلى التقارب مع الاتحاد الأوروبي كخيار ضروري لتخفيف الاعتماد على موسكو، ولإعادة صياغة توازناتها الأمنية والاقتصادية. لكن هذا الخيار لا يمر دون ارتدادات إقليمية ثقيلة.إيران، التي تراقب المشهد من حدودها الشمالية، تدرك أن أي تمدد أوروبي في أرمينيا يعني اقتراباً سياسياً من خاصرتها الحساسة. ومع ذلك، تتعامل طهران ببراغماتية محسوبة، فهي لا ترغب بخسارة أرمينيا كمنفذ استراتيجي، لكنها في الوقت نفسه ترفض تحولها إلى منصة ضغط غربية في مواجهة نفوذها الإقليمي.أما تركيا، فترى في هذا التقارب محاولة لإعادة إدخال أوروبا إلى ساحة تعتبرها أنقرة جزءاً من مجالها الحيوي بالتعاون مع أذربيجان. وتخشى أن يتحول الدعم الأوروبي لأرمينيا إلى ورقة سياسية تُستخدم في ملفات أخرى، من شرق المتوسط إلى الطاقة والهجرة.روسيا، من جهتها، تبدو الأكثر ارتباكاً. فالقوقاز، الذي كان يُنظر إليه كحديقة خلفية روسية شبه مغلقة، يشهد اليوم تآكلاً تدريجياً في النفوذ التقليدي لموسكو، في وقت تُستنزف فيه قدراتها على جبهات أخرى. ومع ذلك، لا تزال تمتلك أدوات ضغط قوية، من الأمن إلى الاقتصاد والطاقة.إن قمة يريفان، في جوهرها، ليست حدثاً أرمنياً–أوروبياً فحسب، بل لحظة اختبار دقيقة لتوازنات ما بعد الحرب الباردة في الفضاء الأوراسي. إنها إعلان غير مباشر بأن زمن الاحتكار الجيوسياسي قد بدأ يتآكل، وأن القوقاز يدخل مرحلة جديدة عنوانها: تعدد النفوذ بدل احتكاره.وفي هذا المشهد المتحرك، تبدو أرمينيا كأنها تقف على خط تماس بين خرائط قديمة تتراجع، وخرائط جديدة لم تكتمل بعد .




Commenti