من يريفان إلى القاهرة… كيف تقرأ مصر التحولات الأوروبية الجديدة؟
- 8 mag
- Tempo di lettura: 2 min

✍️ مروة خيال
في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لم تعد القمم الدولية تُقاس فقط بما يصدر عنها من بيانات، بل بما تكشفه من اتجاهات خفية في حركة القوى الكبرى. ومن هذا المنظور، بدت قمة يريفان الأخيرة أشبه بإشارة سياسية تحمل ما هو أبعد من حدود أرمينيا نفسها، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ الأوروبي في المناطق المحيطة بروسيا والشرق الأوسط وشرق المتوسط.هذا التحرك الأوروبي لا يمر بهدوء في العواصم الإقليمية، وفي مقدمتها القاهرة، التي تراقب بدقة أي تغير في موازين القوة الممتدة من القوقاز حتى المتوسط. فمصر تدرك أن أوروبا، بعد سنوات من الانكفاء النسبي، بدأت تعود تدريجيًا إلى سياسة الحضور المباشر في الملفات الجيوسياسية الحساسة، مدفوعةً بأزمات الطاقة والحرب الأوكرانية وتصاعد التنافس الدولي على الممرات التجارية والنفوذ الاستراتيجي.في القاهرة، لا يُنظر إلى هذا التقارب من زاوية أرمنية ضيقة، بل ضمن صورة أوسع تتعلق بإعادة رسم خرائط النفوذ الممتدة من البحر الأسود حتى شرق المتوسط. فمصر تدرك أن أوروبا لم تعد تتحرك وفق الحسابات التقليدية القديمة، بل تسعى إلى تثبيت حضورها في مناطق تعتبرها حيوية لأمن الطاقة والتجارة والاستقرار السياسي، خاصة بعد الحرب الأوكرانية وتصاعد المخاوف الأوروبية من الاعتماد المفرط على المسارات التقليدية للطاقة والنقل.ومن هنا، تبدو مصر معنية بشكل مباشر بما جرى في يريفان. فالقاهرة ترى أن أي تحرك أوروبي شرقًا سيترك انعكاساته على المتوسط، وعلى مشاريع الطاقة وخطوط التجارة والربط الاقتصادي التي تسعى مصر إلى لعب دور محوري فيها. لذلك، فإن القراءة المصرية للقمة لا تقوم على القلق بقدر ما تقوم على محاولة فهم شكل النظام الإقليمي الجديد الذي يتبلور تدريجيًا حول أوروبا.وفي الوقت نفسه، تدرك القاهرة أن هذا الانفتاح الأوروبي على أرمينيا يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الاقتصاد. فالاتحاد الأوروبي يحاول توسيع نفوذه في مناطق ظلت تاريخيًا ضمن المجال الروسي، ما يعني أن موسكو ستتعامل بحذر مع هذه التحولات. وهنا تظهر البراغماتية المصرية بوضوح؛ إذ تحاول القاهرة الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع روسيا وشراكتها المتنامية مع أوروبا، دون الانجرار إلى سياسة المحاور الحادة.أما البعد الأكثر حساسية فيتعلق بتركيا. فالقوقاز بالنسبة لأنقرة ليس مجرد فضاء جغرافي، بل امتداد استراتيجي لنفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي. ولذلك تراقب مصر كيف يمكن للتقارب الأوروبي – الأرمني أن يؤثر على التوازنات التركية في المنطقة، خصوصًا مع تصاعد التنافس على النفوذ في البحر الأسود وشرق المتوسط.في المحصلة، تبدو قمة يريفان بالنسبة لمصر مؤشرًا على عالم يتغير بسرعة، حيث تعود الجغرافيا السياسية لتفرض نفسها بقوة. وبينما تتحرك أوروبا لإعادة بناء نفوذها، تسعى القاهرة إلى تثبيت موقعها كلاعب إقليمي قادر على التكيف مع التحولات الكبرى، وتحويل المتغيرات الدولية إلى فرصة لتعزيز دورها السياسي والاستراتيجي في المنطقة.




Commenti